حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

سورة يونس

﴿بسم الله الرحمن الرحيم . ابتدأ بالبسملة تبركا بها عند شروعه في تفسير سورة يونس عليه السلام . سورة يونس أي هذا شروع في تفسير بعض ما في سورة يونس ، وفي رواية أبي ذر البسملة بعد قوله : سورة يونس .

قال أبو العباس في مقامات التنزيل : هي مكية ، وفيها آية ذكر الكلبي أنها مدنية لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ الآية ، وما بلغنا أن فيها مدنيا غير هذه الآية ، وفي تفسير ابن النقيب ، عن الكلبي : مكية إلا قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ فإنها نزلت بالمدينة ، وقال مقاتل : كلها مكية غير آيتين ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٩٤ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ هاتان الآيتان مدنيتان ، وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس فيها روايتان ( الأولى ) وهي المشهورة عنه هي مكية ( الثانية ) مدنية ، وهي مائة وتسع آيات ، وسبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفا ، وألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة . وقال ابن عباس : فاختلط فنبت بالماء من كل لون في بعض النسخ باب وقال ابن عباس ، وأشار به إلى قوله : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْـزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ وهذا التعليق وصله ابن جرير من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْـزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ فنبت بالماء كل لون مما يأكل الناس كالحنطة ، والشعير ، وسائر حبوب الأرض ، وأسنده أيضا ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عنه . وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني هذه الآية التي هي الترجمة لم تذكر في رواية أبي ذر ، وثبتت لغيره خالية عن الحديث .

قوله : ( وقالوا ) أي أهل مكة اتخذ الله ولدا فقالوا : الملائكة بنات الله ، وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله . قوله : سُبْحَانَهُ تنزيه له عن اتخاذ الولد ، وتعجب به من كلمتهم الحمقاء . قوله : هُوَ الْغَنِيُّ عن الصاحبة والولد .

وقال زيد بن أسلم : أن لهم قدم صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال مجاهد : خير . زيد بن أسلم أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب ، وقد فسر قدم صدق في قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ بأنه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، ووصل هذا التعليق أبو جعفر بن جرير من طريق ابن عيينة عنه ، وعن ابن عباس : منزل صدق ، وقيل : القدم العمل الصالح ، وعن الربيع بن أنس : ثواب صدق ، وعن السدي : قدم يقدمون عليه عند ربهم . قوله : وقال مجاهد : خير يعني قدم صدق هو خير ، أسنده أبو محمد البستي من حديث ابن أبي نجيح عنه ثم روى عنه أيضا صلاتهم وتسبيحهم وصومهم ، ورجح ابن جرير قول مجاهد لقول العرب : لفلان قدم صدق في كذا إذا قدم فيه خيرا ، وقدم شر في كذا إذا قدم فيه شرا ، وذكر عياض أنه وقع في رواية أبي ذر : وقال مجاهد بن جبر ، وهو خطأ .

قلت : جبر بفتح الجيم ، وسكون الباء الموحدة ، اسم والد مجاهد ، ووجه كونه خطأ أنه لو كان ابن جبر لخلا الكلام عن ذكر القول المنسوب إلى مجاهد في تفسير القدم ، ويرد بهذا أيضا ما ذكره ابن التين أنها وقعت كذلك في نسخة أبي الحسن القابسي . يقال تلك آيات يعني هذه أعلام القرآن أشار به إلى قوله تعالى ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ وأراد أن تلك هنا بمعنى هذه على أن معنى تلك آيات الكتاب هذه أعلام القرآن ، وعلم من هذه أن اسم الإشارة للغائب قد يستعمل للحاضر لنكتة يعرفها من له يد في العربية ، وقال الزمخشري : تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات ، والكتاب السورة ، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها ، ونطقه بها . ومثله : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ، المعنى بكم .

أي مثل المذكور ، وهو قوله : تلك آيات ، يعني هذه أعلام القرآن . قوله : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ وجه المماثلة بينهما هو أن تلك بمعنى هذه ، فكذلك قوله : بهم بمعنى بكم حيث صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة ، كما أن في الأول صرف اسم الإشارة عن الغائب إلى الحاضر ، والنكتة في الثاني للمبالغة كأنه يذكر حالهم لغيرهم ، ولم أر أحدا من الشراح خرج من حق هذا الموضع بل منهم من لم يذكره أصلا كما أن أبا ذر لم يذكره في روايته . دعواهم دعاؤهم .

أشار به إلى قوله تعالى : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وفسر الدعوى بالدعاء . قوله : سبحانك اللهم تفسير دعواهم ، وكذا فسره أبو عبيدة . أحيط بهم دنوا من الهلكة ، أحاطت به خطيئته .

أشار به إلى قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ وفسره بقوله دنوا من الهلكة أي قربوا من الهلاك ، وكذا فسره أبو عبيدة ، يقال : فلان قد أحيط به أي أنه لهالك . قوله : دنوا ، يجوز أن يكون بضم الدال والنون على صيغة المجهول ، وأصله دنيوا نقلت ضمة الياء إلى النون فحذفت لالتقاء الساكنين فصار على وزن فعوا . قوله : أحاطت به خطيئته ، أشار به إلى قوله تعالى : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ يعني استولت عليه خطيئته كما يحيط العدو ، وقيل : معناه سدت عليه خطيئته مسالك النجاة ، وقيل : معناه أهلكته كما في قوله تعالى : وأحيط بثمره ، وقرأ أهل المدينة خطيئاته بالجمع .

فاتبعهم وأتبعهم ، واحد . أشار به إلى قوله تعالى : وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وأشار بهذا إلى أن اتبعهم بكسر الهمزة ، وتشديد التاء من الاتباع بتشديد التاء ، وأن أتبعهم بفتح الهمزة ، وسكون التاء من الإتباع بسكون التاء ، واحد في المعنى والوصل والقطع ، قال الزمخشري : معناه لحقهم ، وقيل اتبعه بالتشديد في الأمر اقتدى به ، وأتبعه بالهمزة تلاه ، وقال الأصمعي : الأول أدركه ولحقه ، والثاني : اتبع أثره وأدركه ، وكذا قاله أبو زيد ، وبالثاني قرأ الحسن . عدوا من العدوان .

أشار به إلى قوله : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا وفسره بقوله عدوانا ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وبغيا وعدوا منصوبان على المصدرية أو على الحال أو على التعليل أي لأجل البغي والعدوان ، وقرأ الحسن عدوا بضم العين ، وتشديد الواو . وقال مجاهد : يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ، قول الإنسان لولده وماله إذا غضب : اللهم لا تبارك فيه والعنه ، لقضي إليهم أجلهم ، لأهلك من دعي عليه ولأماته . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ الآية ، نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق ، والتعجيل تقديم الشيء قبل وقته ، والاستعجال طلب العجلة ، والمعنى لو يعجل الله للناس الشر إذا دعوه على أنفسهم عند الغضب ، وعلى أهليهم وأموالهم كما يعجل لهم الخير لهلكوا .

قوله : وقال مجاهد تعليق وصله ابن أبي حاتم عن حجاج بن حمزة ، حدثنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فذكره . قوله : يعجل الله في محل الرفع على الابتداء بتقدير محذوف فيه ، وهو إخباره تعالى بقوله : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير . قوله : قول الإنسان خبر المبتدأ المقدر .

قوله : لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ جواب لو ، قال الزمخشري : معناه لأميتوا وأهلكوا ، وهو معنى قوله : ( لأهلك من دعي عليه وأماته ) أي لأهلك الله من دعي عليه ، ويجوز فيه صيغة المعلوم والمجهول . قوله : ( ولأماته ) عطف على قوله : لأهلكه ، واللام فيهما للابتداء . للذين أحسنوا الحسنى مثلها حسنى وزيادة مغفرة ورضوان .

أشار به إلى قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ الآية ، والذي ذكره قول مجاهد ، وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه ، وكذا روي عن ابن عباس ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث أخبرنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس . قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى قال الزمخشري : أي المثوبة ، وقال غيره : الحسنى قول لا إله إلا الله . قوله : مثلها حسنى أي مثل تلك الحسنى حسنى أخرى مثلها تفضلا وكرما كما في قوله تعالى : وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، وفسر الزيادة بقوله مغفرة ورضوان ، وعن الحسن : إن الزيادة التضعيف ، وعن علي : الزيادة غرفة من لؤلؤ واحدة لها أربعة أبواب ، أخرجه الطبري .

وقال غيره : النظر إلى وجهه . هذا لم يثبت إلا لأبي ذر وأبي الوقت خاصة ، وقال بعضهم : المراد بالغير فيما أظن قتادة ، وقال صاحب التشريح : يعني غير مجاهد . قلت : الأصوب هذا المذكور فيما قبله قول مجاهد فيكون هذا قول غيره ، والذي اعتمد عليه بعضهم فيما قاله على ما أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : الحسنى هي جنة ، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ، وذا لا يدل على ما اعتمده على ما لا يخفى .

الكبرياء الملك . أشار بهذا إلى قوله : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ، وتفسير الكبرياء بالملك قول مجاهد ، قال محمد : حدثنا حجاج حدثنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه ، وفي رواية عنه : الكبرياء في الأرض العظمة ، وأول الآية قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ أي قال فرعون وقومه لموسى عليه السلام : أجئتنا لتلفتنا أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا يعنون عبادة الأصنام ، وتكون لكما الخطاب لموسى وهارون . قوله : في الأرض أي في أرض مصر .

قوله : بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين لكما فيما جئتما به .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث