حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

سورة الرعد

سورة الرعد أي هذا في بيان تفسير بعض سورة الرعد ، قيل إنها مكية ، وقيل مدنية ، وقيل فيها مكي ومدني ، وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف ، وثمانمائة وخمس وخمسون كلمة ، وثلاث وأربعون آية .

﴿بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر وحده . وقال ابن عباس : كباسط كفيه : مثل المشرك الذي عبد مع الله إلها غيره كمثل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد ، وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر . أشار به إلى قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ الآية .

قوله : وَالَّذِينَ أي المشركون الذين يدعون الأصنام من دون الله يريدون منها دفعا أو رفعا لا يستجيبون لهم بشيء من ذلك . قوله : كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ أي إلا كباسط كفيه ، وقال ابن عباس فيه مثل المشرك الذي عبد مع الله إلها آخر إلى آخره ، ووصله أبو محمد عن أبيه حدثنا أبو صالح حدثنا معاوية عن علي عن ابن عباس . قوله : ( ولا يقدر ) بالراء في رواية الأكثرين ، وروي فلا يقدم بالميم ، وهو تصحيف ، وإن كان له وجه من حيث المعنى .

وقال غيره : سخر ذلل . أشار به إلى قوله تعالى : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى وفسره بقوله : ذلل يعني ذللهما لمنافع الخلق ومصالح العباد ، كل يجري أي كل واحد يجري إلى وقت معلوم ، وهو فناء الدنيا وقيام الساعة . متجاورات متدانيات .

أشار به إلى قوله تعالى : وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وفسر متجاورات بقوله متدانيات ، وقيل متقاربات يقرب بعضها من بعض بالجوار ، ويختلف بالتفاضل فمنها عذبة ، ومنها مالحة ، ومنها طيبة تنبت ، ومنها سبخة لا تنبت . وقال مجاهد : متجاورات طيبها عذبها ، وخبيثها السباخ . روى هذا التعليق أبو بكر بن المنذر عن موسى عن أبي بكر عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد .

المثلات واحدها مثلة ، وهي الأشباه والأمثال . أشار به إلى قوله تعالى : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ أي وقد مضت من قبلهم من الأمم التي عصت ربها ، وكذبت رسلها بالعقوبات والمثلات ، واحدها مثلة بفتح الميم ، وضم الثاء مثل صدقة وصدقات ، وفسر المثلات بقوله : وهي الأشباه والأمثال ، وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : الْمَثُلاتُ قال : الأمثال ، ومن طريق معمر عن قتادة قال : المثلات : العقوبات ، ومن طريق زيد بن أسلم قال : المثلات : ما مثل الله به من الأمم من العذاب ، وسكن يحيى بن وثاب الثاء في قراءته ، وضم الميم ، وقرأ طلحة بن مصرف بفتح الميم ، وسكون الثاء ، وقرأ الأعمش بفتحهما ، وفي رواية عن أبي بكر بن عياش ضمهما ، وبه قرأ عيسى بن عمر . بمقدار : بقدر .

أشار به إلى قوله تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ، وفسره بقوله : بقدر ، والمقدار على وزن مفعال معناه بحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، وعن ابن عباس : مقدار كل شيء مما يكون قبل أن يكون ، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة . معقبات ملائكة حفظة تعقب الأولى منها الأخرى ، ومنه قيل العقيب يقال : عقبت في إثره . أشار به إلى قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وفي رواية أبي ذر يقال : معقبات وفسرها بقوله : ملائكة حفظة يتعاقبون بالليل والنهار ، فإذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل ، والتعقيب العود بعد البدء .

قوله : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ أي لله تعالى معقبات ، وعن ابن عباس : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ يعني لمحمد من الرحمن حرس من بين يديه ومن خلفه يحفظونه يعني من شر الإنس والجن ، ومن شر طوارق الليل والنهار ، وقيل الضمير في له يرجع إلى الإنسان ، والمعقبات جمع معقبة ، والمعقبة جمع معقب ، فالمعقبات جمع الجمع كما قيل أبناوات سعد ، ورجالات بكر ، قاله الثعلبي ، وقيل : المعقبات الخدم والحرس حول السلطان ، وقيل : ما يتعقب من أوامر الله وقضاياه . قوله : يَحْفَظُونَهُ أي يحفظون المستخفي بالليل والسارب بالنهار . قوله : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي يحفظونه بأمر الله من أمر الله ، فإذا جاء القدر خلوا عنه ، وعن ابن عباس : يحفظونه من أمر الله ما لم يجئ القدر .

قوله : ( ومنه قيل العقيب ) أي ومن أصل معقبات يقال العقيب ، وهو الذي يأتي في عقب الشيء ، وفي بعض النسخ ومنه العقب بلا ياء بمعناه ، وعقب الرجل نسله . قوله : ( يقال عقب في إثره ) بتشديد القاف في ضبط الدمياطي بخطه ، وقال ابن التين : هو بفتح القاف وتخفيفها ، قال : وضبطه بعضهم بتشديدها ، وفي بعض النسخ بكسرها ، ولا وجه له إلا أن يكون لغة . المحال العقوبة .

أشار به إلى قوله تعالى : وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ، وفسره بقوله العقوبة ، وعن علي رضي الله تعالى عنه : شديد الأخذ ، وعن مجاهد : شديد القوة ، وعن الحسن : شديد المماحلة والمماكرة والمغالبة ، وعن مجاهد في رواية : شديد انتقام . كباسط كفيه إلى الماء ليقبض على الماء . أشار به إلى قوله تعالى : لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ .

قوله : لا يَسْتَجِيبُونَ يعني الذين يشركون ويدعون الأصنام من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه أي إلا كما ينفع باسط كفيه إلى الماء من العطش ليقبضه حتى يؤديه إلى فمه فلا يتم له ذلك ، ولا يجمعه ، وعن علي رضي الله تعالى عنه : يعني كالرجل العطشان الجالس على شفير الماء ، ويمد يديه إلى البئر فلا يبلغ قعرها فلا يبلغ إلى الماء ، والماء لا ينزو ، ولا يرتفع إلى يده ، كذلك لا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله عز وجل ، والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه وطلب ما لا يجده مثلا بالقابض على الماء ؛ لأن القابض على الماء لا يحصل شيء في يده . رابيا من ربا يربو . أشار به إلى قوله عز وجل : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ، وأشار بقوله رابيا إلى أن اشتقاق رابيا من ربا يربو من باب فعل يفعل أي انتفخ ، قاله أبو عبيدة ، وفي التفسير : رابيا عاليا مرتفعا فوق الماء .

أو متاع زبد ، والمتاع ما تمتعت به . أشار به إلى قوله تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، وفسره بقوله : والمتاع ما تمتعت به . قوله : ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أي لأجل ابتغاء أي طلب حلية أي زينة أو متاع ، وأراد به جواهر الأرض من الذهب ، والفضة ، والحديد ، والصفر ، والنحاس ، والرصاص ، يذاب فتتخذ منه الأشياء مما ينتفع به من الحلي والأواني وغيرهما .

قوله : زَبَدٌ مِثْلُهُ أي له زبد إذا أذيب مثل الحق ، والزبد الذي لا يبقى ولا ينتفع به مثل الباطل . جفاء أجفأت القدر إذا غلت فعلاها الزبد ثم تسكن فيذهب الزبد بلا منفعة ، فكذلك يميز الحق من الباطل . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وفسر الجفاء بقوله أجفأت القدر إلى آخره ، وقال أبو عمرو بن العلاء : يقال : أجفأت القدر ، وذلك إذا غلت وانصب زبدها ، فإذا سكنت لم يبق منه شيء ، ونقل الطبري عن بعض أهل اللغة أن معنى قوله : فيذهب جفاء : تنشفه الأرض يقال جفأ الوادي وأجفأ بمعنى نشف .

قوله : ( فكذلك يميز الحق من الباطل ) في الحقيقة إشارة إلى قوله تعالى في أثناء الآيات المذكورة كذلك يضرب الله الحق والباطل ، وأوضح ذلك بقوله : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ومعنى قول البخاري : فكذلك أي فكما ميز الله الزبد الذي يبقى من الذي لا يبقى ولا ينتفع به ، ميز الحق الذي يبقى ويستمر من الباطل الذي لا أصل له ولا يبقى . المهاد الفراش . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ، وفسره بقوله : الفراش ، ولم يثبت هذا إلا في غير رواية أبي ذر .

يدرءون يدفعون ، درأته عني دفعته . أشار به إلى قوله تعالى : وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ، وفسر قوله : يدرءون بقوله يدفعون يقال : درأت فلانا إذا دفعته من الدر وهو الدفع . سلام عليكم أي يقولون سلام عليكم .

أشار به إلى قوله تعالى : ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ، وقدر هنا محذوفا ، وهو يقولون ، وفي التفسير تدخل الملائكة على أهل الجنة فيسلمون عليهم بما صبروا على الفقر في الدنيا ، وقيل على الجهاد ، وقيل على ملازمة الطاعة ومفارقة المعصية ، وقيل على تركهم الشهوات . وإليه متاب توبتي . أشار به إلى قوله تعالى : لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ، وفي التفسير : وإليه رجوعي ، والمتاب مصدر ميمي يقال تاب الله توبة ومتابا ، والتوبة الرجوع من الذنب .

أفلم ييأس فلم يتبين . أشار به إلى قوله تعالى : أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ، وفسر أفلم ييأس بقوله فلم يتبين ، وعن ابن عباس : أفلم يعلم ، قال الكلبي : ييأس : يعلم في لغة النخع ، وهو قول مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والطبري عن القاسم بن معن أنه كان يقول : إنها لغة هوازن تقول : يئست كذا أي علمته . قارعة داهية .

أشار به إلى قوله تعالى : وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أي داهية مهلكة ، قاله أبو عبيدة . فأمليت أطلت من الملي والملاوة ، ومنه مليا ، ويقال للواسع الطويل من الأرض ملا من الأرض . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ، وفسر أمليت بقوله أطلت كذا فسره أبو عبيدة .

قوله : ( من الملي ) بفتح الميم ، وكسر اللام ، وتشديد الياء بغير همز ، قال الجوهري : الملي الهوي من الدهر يقال : أقام مليا من الدهر ، قال تعالى : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أي طويلا ، ومضى ملي من النهار أي ساعة طويلة ، والملاوة بكسر الميم ، يقال : أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حينا وبرهة ، وكذلك ملوة من الدهر بتثليث الميم ، والملا مقصورا الواسع من الأرض ، وقال الجوهري : الملا مقصورا الصحراء ، والملوان الليل والنهار . أشق أشد من المشقة . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ، وأراد بقوله : أشد أن لفظ أشق أفعل تفضيل من شق يشق .

صنوان النخلتان أو أكثر في أصل واحد ، وغير صنوان وحدها بماء واحد كصالح بني آدم وخبيثهم ، أبوهم واحد . أشار به إلى قوله : صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ الآية ، وفسر قوله : صنوان بقوله : النخلتان أو أكثر في أصل واحد ، وكذا قال ابن عباس : الصنوان ما كان من نخلتين أو ثلاثا أو أكثر أصلهن واحد ، وهو جمع صنو ، ويجمع في القلة على أصناو ، ولا فرق بينهما في التثنية والجمع إلا في الإعراب ، وذلك أن النون في التثنية مكسورة أبدا غير منونة ، وفي الجمع منونة تجري بجريان الإعراب ، والقراء كلهم على كسر الصاد إلا أبا عبد الرحمن السلمي فإنه يضمهما . قوله : وَغَيْرُ صِنْوَانٍ وحدها ) أي وغير صنوان المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد .

قوله : بِمَاءٍ وَاحِدٍ أي يسقى بماء واحد ، وفي رواية الفريابي عن مجاهد مثل ما قاله البخاري لكن قال : يسقى بماء واحد قال : بماء السماء . قوله : ( كصالح بني آدم ) إلى آخره شبه الصنوان الذي أصله واحد ، والصنوان المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد بصالح بني آدم وخبيثهم ، أبوهم واحد ، وقال الحسن : هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم ، فقلب يرق فيخشع ويخضع ، وقلب يسهو ويلهو ، والكل من أصل واحد ، وكذلك صنوان وغير صنوان ، منها ما يخرج الطيب ، ومنها ما يخرج غير الطيب ، وأصله واحد ، والكل يسقى بماء واحد . السحاب الثقال الذي فيه الماء كباسط كفيه يدعو الماء .

أشار به إلى قوله : يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ أي يسير السحاب ، وهو جمع سحابة ، والثقال صفة السحاب أي الثقال بالمطر . سالت أودية بقدرها تملأ بطن واد . أشار به إلى قوله عز وجل : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا يعني أنزل الله من السماء ماء يعني المطر فسالت من ذلك الماء بقدرها الكبير بقدره ، والصغير بقدره ، والأودية جمع واد ، وهو كل مفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر قيل : والقدر مبلغ الشيء ، والمعنى بقدرها من الماء ، فإن صغر قل الماء ، وإن اتسع كثر .

قوله : ( بطن واد ) هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي : ( تملأ كل واد بحسبه ) وفي التفاسير المذكورة اختلاف كثير بالتقديم والتأخير ، والزيادة والنقصان .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث