سورة الحجر
سورة الحجر . أي هذا في بيان تفسير بعض سورة الحجر ، وقال الطبري : هي مكية بإجماع المفسرين ، ويرد عليه بقول الكلبي أن فيها آية مدنية ، وقال السخاوي : نزلت بعد يوسف ، وقبل الأنعام ، وهي ألفان وسبعمائة وستون حرفا وستمائة وأربع وخمسون كلمة ، وتسع وتسعون آية .
﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر عن المستملي ، وله عن غيره بدون لفظ تفسير . وقال مجاهد : صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه .
أي قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾معناه الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء ، وهذا التعليق رواه ابن أبي حاتم ، عن حجاج بن حمزة ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وعن الأخفش معناه على الدلالة ﴿على صراط مستقيم ﴾، وعن الكسائي : هذا على الوعيد والتهديد كقولك للرجل تخاصمه وتهدده : طريقك علي . وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ الإمام : كل ما ائتممت واهتديت به إلى الطريق . أشار إلى قوله تعالى : ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ﴾سقط هذا والذي قبله لأبي ذر إلا عن المستملي ، قوله : وَإِنَّهُمَا يعني مدينة قوم لوط عليه السلام ، ومدينة أصحاب الأيكة ، لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ يعني بطريق واضح مستبين ، وسمي الطريق إماما لأنه يؤتم به .
وقال ابن عباس : لعمرك لعيشك . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾وفسر لعمرك بقوله : لعيشك ، ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه حدثنا أبو صالح ، حدثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وفي تفسير الثعلبي : لعمرك يا محمد يعني حياتك ، إنهم أي إن قوم لوط عليه السلام لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي ضلالتهم وحيرتهم ، يَعْمَهُونَ أي يترددون ، وعن مجاهد ، وعن قتادة : يلعبون . قوم منكرون أنكرهم لوط .
أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ٦١ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾لم يثبت هذا ولا الذي قبله في رواية أبي ذر ، والمراد بالمرسلين الملائكة الذين جاؤوا أولا إلى إبراهيم عليه السلام وبشروه بغلام يرزقه الله إياه على كبره ، ولما سألهم إبراهيم بقوله : فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾أرادوا بهم قوم لوط ، ثم لما جاؤوا لوطا أنكرهم فقال : إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ يعني لا أعرفكم وهو معنى قوله : أنكرهم لوط ، يعني ما عرفهم وقصته مشهورة . وقال غيره كتاب معلوم أجل . أي قال غير ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴾أي أجل ، وفي التفسير أجل مؤقت قد كتبناه لهم لا نعذبهم ولا نهلكم حتى يبلغوه ، وهكذا وقع في رواية أبي ذر كما ذكره البخاري .
لو ما تأتينا هلا تأتينا . أشار به إلى قوله عز وجل : ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾وفسر قوله : لو ما تأتينا بقوله : هلا تأتينا ، والحاصل أن لو هنا للتحضيض ، قال الزمخشري : لو ركبت مع ما ولا لمعنيين معنى امتناع الشيء لوجود غيره ، ومعنى التحضيض ، وأما هل فلم تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض ، والمعنى : هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك . شيع أمم وللأولياء أيضا شيع .
أشار به إلى قوله عز وجل : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ ﴾وفسر قوله : شِيَعِ بقوله : أمم ، وقال أبو عبيدة : في شيع الأولين أي في أمم الأولين ، واحدها شيعة ، وقال الثعلبي : فيه إضمار تقديره : ولقد أرسلنا من قبلك رسلا في شيع الأولين ، وقال الحسن : فرق الأولين والشيعة الفرقة ، والطائفة من الناس ، قوله : وللأولياء أيضا شيع أي يقال لهم : شيع ، وقال الطبري : ويقال لأولياء الرجل أيضا : شيعة . وقال ابن عباس : يهرعون مسرعين . هذا ليس من هذه السورة ، وإنما هو من سورة هود ، وأشار به إلى قوله تعالى : وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ وفسر ابن عباس قوله تعالى : يُهْرَعُونَ بقوله : مسرعين ، وقد وصل هذا التعليق ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَجَاءَهُ قَوْمُهُ أي جاء لوطا قومه ، وقد ذكرنا قصته في تاريخنا الكبير .
للمتوسمين للناظرين . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾وفسر المتوسمين بقوله : للناظرين ، ويقال : للمتفرسين المتأملين ، وقال الزمخشري : حقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء ، وقال قتادة : معناه للمعتبرين ، وقال مقاتل : للمتفكرين . سكرت : غشيت .
أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ وفسر سُكِّرَتْ بقوله : غشيت ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقال أبو عمرو : وهو مأخوذ من السكر في الشراب ، وعن ابن عباس : سُكِّرَتْ أخذت ، وعن الحسن سُكِّرَتْ ، وعن الكلبي : أغشيت وأغميت ، وقيل : حبست ومنعت من النظر . بروجا منازل للشمس والقمر . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾وفسر بروجا بقوله : منازل للشمس والقمر ، وقال الثعلبي : بروجا أي قصورا ومنازل ، وهي كواكب تنزلها الشمس والقمر وزحل والمشتري والمريخ وعطارد والزهرة والكواكب السيارة ، وأسماؤها : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت ، وقال مجاهد : أراد بالبروج النجوم .
لواقح ملاقح ملقحة . أشار به إلى قوله تعالى : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وفسر اللواقح بقوله : ملاقح ، ثم أشار بأنه جمع ملقحة وتفسير اللواقح بالملاقح نادر ، وإنما يقال : رياح لواقح ، ولا يقال : ملاقح ، قال الجوهري : وهو من النوادر ، ويقال : ألقح الفحل الناقة وألقح الريح السحاب ، وقال ابن مسعود في هذه الآية : يرسل الله تعالى الريح فتحمل الماء فتمر بالسحاب فتدر كما تدر الملقحة ، ثم تمطر ، وقال الفراء : أراد بقوله : لواقح ذات لقح ، كقول العرب : رجل لابن ، ورامخ وتامر . حمأ جماعة حمأة وهو الطين المتغير والمسنون المصبوب .
أشار به إلى قوله تعالى : لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وذكر أن حمأ جمع حمأة ثم فسرها بالطين المتغير وفسر المسنون بقوله : المصبوب ، وهكذا فسره أبو عبيدة ، وعن ابن عباس : المسنون التراب المبتل المنتن وأصله من قول العرب : سننت الحجر على الحجر إذا صللته به ، وما يخرج من بين الحجرين يقال له : السنين والسنانة ، ومنه المسن ، قوله : مِنْ صَلْصَالٍ وهو الطين اليابس إذا نقرته سمعت له صلصلة أي صوتا من يبسه قبل أن تمسه النار ، فإذا مسته النار فهو فخار ، وعن مجاهد هو الطين المنتن ، واختاره الكسائي من صل اللحم ، وأصل إذا أنتن . توجل تخف . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾وفسر توجل بقوله : تخف ، وأصله لا توجل وتفسيره لا تخف ، واشتقاقه من الوجل ، وهو الخوف ، قوله : قالوا : أي قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام : لا توجل ، إنما قالوا ذلك حين دخلوا على إبراهيم ، قال إبراهيم عليه السلام : إنا منكم وجلون أي خائفون ، ثم يشروه بغلام أتاه إياه على كبره ، وكبر امرأته ، وأراد بالغلام إسحاق ، قوله : عليم أي عليم بالدين ، وقيل : بالحكمة ، وهذا الذي ذكره البخاري لم يثبت في رواية أبي ذر .
دابر آخر . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾وفسر دابر بقوله : آخر ، وهذا أيضا لم يثبت في رواية أبي ذر ، قوله : وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ أي أوحينا إلى لوط عليه السلام بأن دابر هؤلاء أي قومه مقطوع أي مستأصل ، قوله : مُصْبِحِينَ أي حال كونهم في الصبح . الصيحة الهلكة .
أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾وفسر الصيحة بالهلكة وهكذا فسرها أبو عبيدة ، قوله : مُشْرِقِينَ أي حين أشرقت الشمس عليهم وهم قوم لوط عليه السلام .