إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
( باب قوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ 265 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال : أي عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله .
فقال ج١٩ / ص١٠٥أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعيدانه بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فأنزل الله : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وأنزل الله في أبي طالب ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة .
والحديث مر في كتاب الجنائز في باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله .
قال الكرماني : قيل هذا الإسناد ليس على شرط البخاري ، إذ لم يرو عن المسيب إلا ابنه. وقال صاحب التلويح وتبعه صاحب التوضيح : هذا الحديث من مراسيل الصحابة ، لأن المسيب من مسلمة الفتح ، على قول مصعب ، وعلى قول العسكري ممن بايع تحت الشجرة ، فأيا ما كان فلم يشهد وفاة أبي طالب ، لأنه توفي هو وخديجة رضي الله تعالى عنها في أيام متقاربة في عام واحد للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم نحو الخمسين ، ورد عليهما بعضهم بأنه لا يلزم من كون المسيب متأخرا إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب كما شهدها عبد الله بن أبي أمية ، وهو يومئذ كافر ثم أسلم بعد ذلك ، انتهى .
قلت : حضور عبد الله بن أبي أمية وفاة أبي طالب وهو كافر ثبت في الصحيح ، ولم يثبت حضور المسيب وفاة أبي طالب وهو كافر ، لا في الصحيح ولا في غيره ، وبالاحتمال لا يرد على كلام بغير احتمال ، فافهم . قال ابن عباس : " أولي القوة " لا يرفعها العصبة من الرجال ، " لتنوء " لتثقل . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ الآية ، وفسر قوله " أُولِي الْقُوَّةِ " بقوله " لا يرفعها العصبة من الرجال " والعصبة : ما بين العشرة إلى خمسة عشرة ، قاله مجاهد ، وعن قتادة : ما بين العشرة إلى أربعين .
وعن أبي صالح : أربعون رجلا . وعن ابن عباس : ما بين الثلاثة إلى العشرة . وقيل : ستون .
وفسر قوله " لتنوء " بقوله : " لتثقل " . وقيل : لتميل ، وهذا إلى قوله ( يتشاورون ) لم يثبت لأبي ذر والأصيلي وثبت لغيرهما إلى قوله : ( ذكر موسى ) . " فارغا " إلا من ذكر موسى .
أشار به إلى قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا وفسر فارغا بقوله " إلا من ذكر موسى " وفي التفسير : أي : ساهيا لاهيا من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه الصلاة والسلام وهمه ، قاله أكثر المفسرين . وعن الكسائي : " فارغا " أي ناسيا . وعن أبي عبيدة : أي : فارغا من الحزن ، لعلمها بأنه لم يغرق .
" الفرحين " المرحين . " قصيه " اتبعي أثره ، وقد يكون أن يقص الكلام ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي : قالت أم موسى لأخت موسى قصيه ، أي : اتبعي أثره ، من قولهم : قصصت آثار القوم ، أي : تبعتها .
قوله : " وقد يكون " إلى آخره ، أراد به أن قص يكون أيضا من قص الكلام كما في قوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ومنه : قص الرؤيا ، إذا أخبر بها . " عن جنب " ، عن بعد ، عن جنابة واحد ، وعن اجتناب أيضا . أشار به إلى قوله تعالى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وفسر " عَنْ جُنُبٍ " بقوله : " عن بعد " ، أي : بصرت أخت موسى بموسى ، أي : أبصرته عن بعد ، والحال " أنهم لا يشعرون " لا يعلمون أنها أخت موسى عليه السلام .
وعن ابن عباس : " الجنب " ج١٩ / ص١٠٦أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به . وعن قتادة : جعلت أخت موسى تنظر إليه كأنها لا تريده . قوله " عن جنابة " أراد به أيضا أن معنى عن جنابة عن بعد .
قوله : واحد ، أي معنى عن جنب وعن جنابة واحد ، وكذلك معنى وعن اجتناب ، والحاصل أن كل ذلك بمعنى واحد ، وهو البعد ، ومنه الجنب سمي به لأنه بعيد عن تلاوة القرآن . يبطش ويبطش . أشار به إلى قوله تعالى : أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا وبين أن فيه لغتين إحداهما : يبطش ، بضم الطاء ، والآخرى يبطش بالكسر .
" يأتمرون " يتشاورون . العدوان والعداء والتعدي واحد .
آنس أبصر . أشار به إلى قوله تعالى : فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا وفسره بقوله : أبصر .
الجذوة : قطعة غليظة من الخشب ليس فيها لهب ، والشهاب فيه لهب . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وفسر الجذوة بقوله قطعة إلى آخره ، وقال مقاتل وقتادة : الجذوة : العود الذي احترق بعضه ، وجمعها جذى ، والجيم في جذوة مثلثة ، وهي لغات وقراءات . ومعنى " تَصْطَلُونَ " تستدفئون .
قوله : " والشهاب فيه لهب " أشار به إلى قوله تعالى في سورة النمل : لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وفسر الشهاب بأن فيه لهبا ، قال الجوهري : الشهاب شعلة نار ساطعة ، وقال اللهب لهب النار ، وهو لسانها ، وكني أبو لهب لجماله . كَأَنَّهَا جَانٌّ وهي في آية أخرى كأنها حَيَّةٌ تَسْعَى والحيات أجناس الجان والأفاعي والأساود . هذا ثبت للنسفي وأشار بقوله " كَأَنَّهَا " إلى قوله تعالى في هذه السورة : وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا قوله : " وهي في آية أخرى كأنها حَيَّةٌ تَسْعَى " وهو في سورة طه وهي قوله تعالى : قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى وفي الشعراء : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ولم يذكر البخاري هذا مع أنه داخل في قوله " والحيات أجناس " وهي جمع حية ، وهي اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير .
وذكر الله تعالى في القرآن الحية والجان والثعبان ، فالحية تشمل الجان والثعبان . وكانت حية ليلة المخاطبة لئلا يخاف موسى عليه الصلاة والسلام منها إذا ألقاها بين يدي فرعون ، وعن ابن عباس : صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس ، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا ، وهي أكبر ما يكون من الحيات ، فلذلك قال في موضع آخر : " كأنها جان " وهي أصغر الحيات ، وفي موضع آخر " ثعبان " وهو أعظمها ، فالجان ابتداء حالها والثعبان انتهاء حالها ، وكأن الجان في سرعة ، فلذلك قال : فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ويقال : كان ما بين لحيي الحية أربعون ذراعا . وعن ابن عباس : لما انقلبت الحية ثعبانا ذكرا صار يبتلع الصخر والحجر .
قوله : " والأفاعي " جمع أفعى على وزن أفعل ، يقال : هذه أفعى بالتنوين ، والأفعوان ذكر الأفاعي . قوله : " والأساود " جمع أسود وهو العظيم من الحيات وفيه سواد . وقال الجوهري : الجمع الأساود ، لأنه اسم ، ولو كان صفة لجمع على فعل ، يعني لقال : سود ، يقال : أسود سالخ غير مضاف لأنه يسلخ جلده كل عام ، والأنثى أسودة ، ولا توصف بسالخة .
" ردءا " معينا . ج١٩ / ص١٠٧قال ابن عباس : لكي يصدقني .
وقال غيره : " سنشد " سنعينك ، كلما عززت شيئا فقد جعلت له عضدا . أي : قال ابن عباس في قوله : رِدْءًا يُصَدِّقُنِي لكي يصدقني ، وفي التفسير : يصدقني أي مصدقا ، وليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى ، وإنما هو أن يلخس بلسانه الحق أو يبسط القول فيه ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو المعارضة . قوله : " وقال غيره " أي : غير ابن عباس في معنى قول الله تعالى : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ سنعينك .
وقيل : سنقويك به ، وشد العضدد كناية عن التقوية . قوله " كلما عززت " من عز فلان أخاه إذا قواه ، ومنه قوله تعالى : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ يخفف ويشدد ، أي : قوينا وشددنا . " مقبوحين " مهلكين .
أشار به إلى قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ وفسره بقوله : مهلكين ، وهكذا فسره أبو عبيدة . وقال غيره : أي من المتعدين الملعونين ، من القبح وهو الإبعاد ، وقال ابن زيد : يقال : قبح الله فلانا قبحا وقبوحا ، أي : أبعده من كل خير . وقال الكلبي : يعني سواد الوجه وزرقة العين ، وعلى هذا يكون بمعنى المقبحين .
" وصلنا " بيناه وأتممناه . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وفسر وصلناه بقوله " بيناه " . وعن السدي كذلك ، وعن الفراء : أتبعنا بعضه بعضا فاتصل .
قوله : " وأتممناه " الضمير المنسوب فيه وفي بيناه يرجع إلى القول ، المعنى : بينا لكفار مكة في القرآن من خبر الأمم الماضية كيف عذبوا بتكذيبهم . " يجبى " يجلب . أشار به إلى قوله تعالى : يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وفسر يجبى من الجباية بقوله : " يجلب " .
وقرأ نافع ( تجبى ) بالتاء المثناة من فوق ، والباقون بالياء . قوله : " إليه " أي : إلى الحرم ، والمعنى : يجلب ويحمل من النواحي ثمرات كل شيء " رزقا من لدنا " ، أي : من عندنا . بطرت ، أشرت .
فِي أُمِّهَا رَسُولا أم القرى مكة وما حولها .
" تكن " ، تخفي ، أكننت الشيء أخفيته ، وكننته أخفيته وأظهرته . أشار به إلى قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وفسر " تُكِنُّ " بقوله : " تخفي " ، وتكن بضم التاء من أكننت الشيء إذا أخفيته ، قوله : " وكننته " من الثلاثي ومعناه : خفيته بدون الهمزة في أوله ، أي : أظهرته ، وهو من الأضداد ووقع في الأصول أخفيته في الموضعين بالهمزة في أوله ، ولأبي ذر بحذف الألف في الثاني ، وكذا قال ابن فارس : أخفيته سترته ، وخفيته أظهرته .
" ويكأن الله " مثل : ( ألم تر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) يوسع عليه ويضيق عليه . أشار به إلى قوله تعالى : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ وهذا وقع لغير أبي ذر ، وفسر قوله " وَيْكَأَنَّ اللَّهَ " بقوله : " مثل ألم تر إلى آخره " ، وكذا فسره أبو عبيدة وقال الزمخشري : وي مفصولة عن كأن ، وهي كلمة تنبيه على الخطأ ، وهو مذهب الخليل وسيبويه . وعند الكوفيين : أن ويك بمعنى ويلك ، وأن المعنى : ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون ، ويجوز أن يكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي ، وأنه بمعنى لأنه ، والكلام لبيان المقول لأجله هذا القول ، أو لأنه لا يفلح الكافرون ، قوله : " ويقدر " أي : ويقتر .
قوله : " يوسع عليه " يرجع إلى قوله : " يَبْسُطُ الرِّزْقَ " ، وقوله : " يضيق عليه " يرجع إلى قوله " وَيَقْدِرُ " .