حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض

( حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : سمعت أبا صالح قال : سمعت أبا هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما بين النفختين أربعون ، قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوما ؟ قال : أبيت ، قال : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ، قال : أربعون شهرا ؟ قال : أبيت ، وسيبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه ، فيه يركب الخلق ) . مطابقته للترجمة من حيث اشتماله على النفخ ، وشيخ البخاري يروي عن أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها ، وهو يروي عن سليمان الأعمش عن أبي صالح ذكوان السمان . قوله : ما بين النفختين وهما النفخة الأولى والنفخة الثانية ، قوله : قالوا أي أصحاب أبي هريرة ، قوله : أبيت من الإباء وهو الامتناع ، أي امتنعت من تعيين ذلك بالأيام والسنين والشهور لأنه لم يكن عنده علم بذلك ، وقال بعضهم : وزعم بعض الشراح : أنه وقع عند مسلم أربعين سنة ، ولا وجود لذلك ، انتهى ، قلت : إن كان مراده من بعض الشراح صاحب ( التوضيح ) فهو لم يقل كذلك ، وإنما قال : وقد جاءت مفسرة في رواية غيره في غير مسلم أربعون سنة ، وأشار به إلى ما رواه ابن مردويه من طريق سعيد بن الصلت عن الأعمش في هذا الإسناد أربعون سنة ، وهو شاذ ، ومن وجه ضعيف عن ابن عباس قال : ما بين النفخة والنفخة أربعون سنة ، قوله : وسيبلى أي سيخلق ، من بلى الثوب يبلي بلى بكسر الباء ، فإن فتحتها مددتها ، وأبليت الثوب ، قوله : إلا عجب ذنبه بفتح العين المهملة وسكون الجيم ، وهو أصل الذنب ، وهو عظم لطيف في أصل الصلب ، وهو رأس العصعص ، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ( البعث ) من حديث أبي سعيد الخدري قيل : يا رسول الله ما العجب ؟ قال : مثل حبة خردل ، انتهى ، ويقال له : عجم ، بالميم كلاذب ولازم ، وهو أول مخلوق من الآدمي ، وهو الذي يبقى ليركب عليه الخلق .

وفائدة إبقاء هذا العظم دون غيره ما قاله ابن عقيل لله - عز وجل - : في هذا سر لا نعلمه ؛ لأن من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى أن يكون لفعله شيء يبنى عليه ولا خميرة ، فإن علل هذا يتجوز أن يكون الباري جلت عظمته جعل ذلك علامة للملائكة على أن يحيى كل إنسان بجواهره بأعيانها ، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزءا منها كما أنه لما أمات عزيرا - عليه الصلاة والسلام - وحماره أبقى عظام الحمار فكساها ليعلم أن ذلك المنشى ذلك الحمار لا غيره ، ولولا إبقاء شيء لجوزت الملائكة أن تكون الإعادة للأرواح إلى أمثال الأجساد لا إلى أعيانها ، فإن قلت : في ( الصحيح ) يبلى كل شيء من الإنسان ، وهنا يبلى إلا عجب الذنب ؟ قلت : هذا ليس بأول عام خص ، ولا بأول مجمل فصل ، كما أنا نقول : إن هذين الحديثين خص منهما الأنبياء - عليهم السلام - لأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم ، وألحق ابن عبد البر الشهداء بهم ، والقرطبي المؤذن المحتسب . فإن قلت : ما الحكمة في تخصيص العجب بعدم البلى دون غيره ؟ قلت : لأن أصل الخلق منه ، ومنه يركب ، وهو قاعدة بدء الإنسان ، وأسه الذي يبنى عليه ، فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار ، وقال بعضهم : زعم بعض الشراح أن المراد بأنه لا يبلى أي يطول بقاؤه لا أنه لا يبلى أصلا ، وهذا مردود ؛ لأنه خلاف الظاهر بغير دليل ، انتهى ، قلت : بعض الشراح ، هذا هو شارح ( المصابيح ) الذي يسمى شرحه مظهرا ، وليس هو شارح البخاري ، وليس هو بمنفرد بهذا القول ، وبه قال المزني أيضا ، فإنه قال : إلا هنا بمعنى الواو ، أي وعجب الذنب أيضا يبلى . وجاء عن الفراء والأخفش مجيء إلا بمعنى الواو ، لكن هذا خلاف الظاهر ، وكيف لا وقد جاء عن أبي هريرة من طريق همام عنه : أن للإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا ، فيه يركب يوم القيامة ، قالوا : أي عظم هو ؟ قال : عجب الذنب ، رواه مسلم ، قوله : فيه يركب الخلق لا يعارضه حديث سلمان : إن أول ما خلق من آدم رأسه ؛ لأن هذا في حق آدم ، وذاك في حق بنيه ، وقيل : المراد بقول سلمان نفخ الروح في آدم ، لا خلق جسده .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث