حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وقال طاوس عن ابن عباس ائتيا طوعا أو كرها اعطيا قالتا أتينا طائعين أعطينا

( سورة حم السجدة )

( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( باب وقال طاوس عن ابن عباس : ائتيا طوعا أو كرها اعطيا ، قالتا : أتينا طائعين أعطينا ) ليس في كثير من النسخ لفظ باب ، أي قال طاوس عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى : ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا وفسر ائتيا بقوله : اعطيا ، هو صيغة أمر للتثنية من الإعطاء ، وفسر أتينا من الإتيان بقوله : أعطينا ، وهو الفعل الماضي للمتكلم مع الغير ، وروى هذا التعليق أبو محمد الحنظلي عن علي بن المدرك كتابة قال : أخبرنا زيد بن المبارك أخبرنا ابن ثور ، عن ابن جريج ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، وقال ابن التين : ليس أتينا بمعنى أعطينا في كلامهم ، إلا أن يكون ابن عباس قرأ بالمد ؛ لأن أتى مقصورا معناه جاء ، وممدودا رباعيا معناه أعطى ، ونقل عن سعيد بن جبير أنه قرأها آتيا ، بالمد على معنى اعطيا الطاعة ، وأن ابن عباس قرأ آتينا بالمد أيضا على المعنى المذكور ، وقال عياض : ليس أتى هاهنا بمعنى أعطى ، وإنما هو من الإتيان وهو المجيء ، وبهذا فسره المفسرون .

( قلت ) في تفسير الثعلبي : طوعا أو كرها ، أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع وأخرجاها وأظهرا لخلقي ، وعن ابن عباس قال الله - عز وجل - للسموات : أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض : شققي أنهارك وأخرجي ثمارك . وقال السهيلي في ( أماليه ) : قيل : إن البخاري وقع له في أتى من القرآن وهم ، فإن كان هذا وإلا فهي قراءة بلغته ، ووجهه أعطيا الطاعة ، كما يقال : فلان يعطي الطاعة ، وقال : وقد قرئ : ثم سئلوا الفتنة لآتوها ، بالمد والقصر ، والفتنة ضد الطاعة ، وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى ، انتهى . وجوز بعض المفسرين أن آتيا بالمد بمعنى الموافقة ، وبه جزم ج١٩ / ص١٥٠صاحب ( الكشاف ) ، فعلى هذا يكون المحذوف مفعولا واحدا ، والتقدير : ليوافق كل منكما الأخرى ، قالتا : فوافقنا ، وعلى الأول يكون المحذوف مفعولين ، والتقدير : أعطيا من أمركما الطاعة من أنفسكما ، قالتا : أعطيناه الطاعة ، وإنما جمع طائعين بالياء والنون وإن كان هذا الجمع مختصا بمن يعقل ؛ لأن معناه آتينا بمن فيهما ، أو لأنه لما أخبر عنه بفعل من يعقل جاء فيهن بالياء والنون ، كما في قوله : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ وأجاز الكسائي أن يجمع بالياء والنون ، والواو والنون ، وفيه بعد .

( وقال المنهال عن سعيد قال : قال رجل لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي ، قال : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، ولا يكتمون الله حديثا ، والله ربنا ما كنا مشركين ، فقد كتموا في هذه الآية ، وقال : أم السماء بناها ، إلى قوله : دحاها ، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال : أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ، إلى طائعين ، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء ، وقال تعالى : وكان الله غفورا رحيما ، عزيزا حكيما ، سميعا بصيرا ، فكأنه كان ثم مضى . فقال : فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، وأما قوله : ما كنا مشركين ، ولا يكتمون الله حديثا ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول : لم نكن مشركين ، فختم على أفواههم ، فتنطق أيديهم ، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ، وعنده يود الذين كفروا ، الآية ، وخلق الأرض في يومين ، ثم خلق السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ، ثم دحا الأرض ، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى ، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين ، فذلك قوله دحاها ، وقوله : خلق الأرض في يومين ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام ، وخلقت السماوات في يومين ، وكان الله غفورا ، سمى نفسه بذلك ، وذلك قوله : أي لم يزل كذلك ، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد ، فلا يختلف عليك القرآن ، فإن كلا من عند الله ) . لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الكريمة خلق السماوات والأرض ، ذكر ما علقه من المنهال أولا ، ثم أسنده عقيبه ، وهو بكسر الميم وسكون النون ، ابن عمرو الأسدي ، مولاهم الكوفي ، صدوق ، من طبقة الأعمش ، وثقه ابن معين ، والنسائي ، والعجلي ، وآخرون ، وتركه شعبة لأمر لا يوجب فيه قدحا ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث ، وآخر تقدم في قصة إبراهيم - عليه السلام - .

قوله : " عن سعيد " هو ابن جبير ، وصرح به الأصيلي والنسفي في روايتهما ، قوله : " قال : قال رجل " الظاهر أنه نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج ، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه ، وحاصل سؤاله في أربعة مواضع على ما نذكره ، قوله : " يختلف علي " أي يشكل ويضطرب علي ، إذ بين ظواهرها تناف وتدافع ، أو تفيد شيئا لا يصح عقلا ، الأول من الأسئلة : قال : فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ إلى قوله : وَلا يَتَسَاءَلُونَ فإن بين قوله : ولا يتساءلون ، وبين قوله : يتساءلون ، تدافعا ظاهرا . الثاني : قوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا فإن بينه وبين قوله : مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ تدافعا ظاهرا ؛ لأنه علم من الأول أنهم لا يكتمون الله حديثا ، ومن الثاني : أنهم يكتمون كونهم مشركين . الثالث : قوله : أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا إلى قوله قبل خلق السماء ج١٩ / ص١٥١فإن في الآيتين المذكورتين تدافعا ؛ لأن في إحداهما خلق السماء قبل الأرض ، وفي الأخرى بالعكس ، ووقع في رواية أبي ذر : وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وهو في سورة والشمس ، وقوله : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا يدل على أن المراد : أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا الذي في سورة والنازعات .

الرابع : قوله : وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا إلى قوله : ثم مضى ، فإن قوله : وكان الله غفورا رحيما ، وسميعا بصيرا ، يدل على أنه كان موصوفا بهذه الصفات في الزمان الماضي ثم تغير عن ذلك ، وهو معنى قوله فكأنه كان ثم مضى ، قوله : " فقال فلا أنساب " إلى قوله : ولا يتساءلون ، جواب عن سؤال الأول ، أي قال : فقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في الجواب ما ملخصه أن التساؤل بعد النفخة الثانية وعدم التساؤل قبلها ، وعن السدي أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط ، وإثباتها فيما عدا ذلك . قوله : " وأما قوله ما كنا مشركين " إلى قوله : يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا " فهو جواب عن السؤال الثاني ، وملخصه أن الكتمان قبل إنطاق الجوارح ، وعدمه بعده ، قوله : " فعند ذلك " أي عند نطق أيديهم ، قوله : " وعنده يود الذين كفروا " أي وعند علمهم أن الله لا يكتم حديثا يود الذين كفروا ، هذا في سورة النساء ، وهو قوله : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا أي يوم القيامة يود الذين كفروا بالله وعصوا رسوله لو تسوى بهم الأرض أي لو تسوت بهم الأرض ، وصاروا هم والأرض شيئا واحدا ، وأنهم لم يكتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا نعته ؛ لأن ما عملوه لا يخفى على الله تعالى فلا يقدرون كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم . قوله : خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله : وخلق السماوات في يومين ، جواب عن السؤال الثالث ملخصه أن خلق نفس الأرض قبل السماء ، ودحوها بعده ، يقال : دحوت الشيء دحوا بسطته بسطا ، وقيل في جوابه : إن خلق بمعنى قدر ، قوله : " أن أخرج " بأن أخرج ، فإن مصدرية ، قوله : " والآكام " جمع أكمة بفتحتين ، وهو الموضع المرتفع من الأرض كالتل والرابية ، ويروى والأكوام جمع كوم ، قوله : وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا الخ جواب عن السؤال الرابع ، وملخصه : أنه سمى نفسه بكونه غفورا رحيما ، وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقطع ، وأما معنى الغفورية والرحيمية فلا يزال كذلك لا ينقطع ، وأن الله إذا أراد المغفرة أو الرحمة أو غيرهما من الأشياء في الحال أو الاستقبال فلا بد من وقوع مراده قطعا ، قوله : " سمى نفسه ذلك " أي سمى الله تعالى ذاته بالغفور والرحيم ونحوهما ، وذلك قوله : " وإنه لا يزال كذلك لا ينقطع وأن ما شاء كان " وقالت النحاة : كان لثبوت خبرها ماضيا دائما ، ولهذا لا يقال : صار موضع كان ؛ لأن معناه التجدد والحدوث ، فلا يقال في حق الله ذلك ، قوله : " فلا يختلف " بالجزم أي قال ابن عباس للسائل المذكور لا يختلف عليك القرآن فإنه من عند الله ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث