باب قوله وآخرين منهم لما يلحقوا بهم
حدثني عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني سليمان بن بلال ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال : قلت : من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا ، وفينا سلمان الفارسي ، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ، ثم قال : لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء . مطابقته للترجمة في قوله : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي المديني ، وثور باسم الحيوان المشهور ابن زيد الديلي ، وأبو الغيث بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وبالتاء المثلثة - سالم مولى عبد الله بن مطيع . والحديث أخرجه أيضا عن عبد الله بن هلال ، وعن عبد الله بن عبد الوهاب ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة ، وأخرجه الترمذي في التفسير ، وفي المناقب ، عن علي بن حجر ، وأخرجه النسائي فيهما عن قتيبة .
قوله : جلوسا ، أي جالسين قوله : فأنزلت عليه سورة الجمعة وآخرين منهم قال بعضهم : كأنه يريد : أنزلت عليه هذه الآية من سورة الجمعة . قلت : التفسير بالشك لا يجدي ، والمعنى مثل رواية مسلم نزلت عليه سورة الجمعة ، فلما قرأ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ وهنا كذلك لما قرأ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ، قال : قلت من هم يا رسول الله ، وفي رواية السرخسي : قالوا من هم يا رسول الله ، وفي رواية الإسماعيلي ، فقال له رجل : وفي رواية الدراوردي : قيل من هم ، وعند الترمذي : فقال رجل : يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا ، قوله : فلم يراجعوه ، كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : فلم يراجعه ، أي فلم يراجع النبي صلى الله عليه وسلم السائل ، أي لم يعد عليه جوابه حتى سأل ثلاثا ، أي ثلاث مرات ، وهذا هو الصواب يدل عليه صريحا رواية الدراوردي ، قال : فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأل مرتين أو ثلاثا . قوله : عند الثريا هو كوكب مشهور قوله : رجل أو رجال شك من سليمان بن بلال بدليل الرواية التي أوردها بعده من غير شك مقتصرا على قوله : لناله رجال من هؤلاء ، وكذا هو عند مسلم والنسائي .
قوله : من هؤلاء ، أي الفرس بقرينة سلمان الفارسي ، وقال الكرماني : أي الفرس يعني العجم ، وفيه نظر لا يخفى ، ثم إنهم اختلفوا في : آخرين منهم فقيل هم التابعون . وقيل هم العجم . وقيل أبناؤهم .
وقيل : كل من كان بعد الصحابة ، وقال أبو روق : جميع من أسلم إلى يوم القيامة ، وقال القرطبي : أحسن ما قيل فيهم أنهم أبناء فارس بدليل هذا الحديث : لناله رجال من هؤلاء ، وقد ظهر ذلك بالعيان ؛ فإنهم ظهر فيهم الدين ، وكثر فيهم العلماء ، وكان وجودهم كذلك دليلا من أدلة صدقه صلى الله عليه وسلم ، وذكر أبو عمر أن الفرس من ولد لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام ، وذكر علي بن كيسان النسابة وغيره أنهم من ولد فارس بن جابر بن يافث بن نوح ، وهو أصح ما قيل فيهم ، وقال الرشاطي : فارس الكبرى ابن كيومرت ، ويقال : جيومرت بن أميم بن لاوذ . وقيل : جيومرت بن يافث . وقيل : هو فارس بن ناسور بن سام بن نوح عليه السلام ، ومنهم من زعم أنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .
وقيل : من ولد هذا رام بن أرفخشد بن سام ، وأنه ولد بضعة عشر رجلا كلهم كان فارسا شجاعا ، فسموا الفرس بالفروسية . وقيل : إنهم من ولد بوان بن إيران بن الأسود بن سام ، ويقال لهم بالجزيرة الحضارمة ، وبالشام : الجرامقة وبالكوفة : الأحامرة ، وبالبصرة : الأساورة ، وباليمن : الأبناء والأحرار ، وفي كتاب الطبقات لصاعد : كانت الفرس أول أمرها موحدة على دين نوح عليه الصلاة والسلام إلى أن أتى برداسف المشرقي إلى طهمورس ثالث ملوك الفرس بمذهب الحنفاء ، وهم الصابئون ، فقبله منه ، وقصر الفرس على التشرع به ، فاعتقدوه جميعا نحو ألف سنة ومائتي سنة إلى أن تمجسوا جميعا بظهور زرادشت في زمن بستاسف ملك الفرس حين مضى من ملكه ثلاثون سنة ، ودعا إلى دين المجوسية من تعظيم النار وسائر الأنوار والقول بتركيب العالم من النور والظلام واعتقاد القدماء الخمسة إبليس والهيولى والزمان والمكان ، وذكر آخر فقبل منه بستاسف ، وقاتل الفرس عليه حتى انقادوا جميعا إليه ورفضوا دين الصابئة ، واعتقدوا زرادشت نبيا مرسلا إليهم ، ولم يزالوا على دينه قريبا من ألف سنة وثلاثمائة سنة إلى أن أباد الله عز وجل ملكهم على يد عثمان رضي الله تعالى عنه .