باب : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا أي هذا باب في قوله عز وجل : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ إلى آخره ، وليس لفظ باب في كثير من النسخ ، ويجيء الآن تفسير أولات الأحمال . وَأُولاتُ الأَحْمَالِ واحدها : ذات حمل أشار بهذا إلى أن أولات جمع ذات ، والأحمال جمع حمل ، والمعنى أن أجلهن موقت ، وهو وضع حملهن ، وهذا عام في المطلقات ، والمتوفى عنهن أزواجهن ، وهو قول عمر وابنه وابن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وفقهاء الأمصار ، وعن ابن عباس أنه قال : تعتد أبعد الأجلين ، وعن الضحاك أنه قرأ : آجالهن على الجمع . 403 - حدثنا سعد بن حفص ، حدثنا شيبان ، عن يحيى قال : أخبرني أبو سلمة قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، وأبو هريرة جالس عنده فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة ، فقال ابن عباس : آخر الأجلين . قلت أنا : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن . قال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة ، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها ، فقالت : قتل زوج سبيعة الأسلمية ، وهي حبلى ، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسعد بن حفص أبو محمد الطلحي الكوفي ، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية ، ويحيى هو ابن أبي كثير صالح من أهل البصرة سكن اليمامة ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . والحديث أخرجه مسلم في الطلاق ، عن محمد بن المثنى وغيره ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وغيره في التفسير عن محمد بن عبد الله . قوله : وأبو هريرة الواو فيه للحال . قوله : آخر الأجلين ، أي أقصاهما يعني لا بد لها من انقضاء أربعة أشهر وعشرا ، ولا يكفي وضع الحمل إن كانت هذه المدة أكثرهما ، ومن وضع الحمل إن كانت مدته أكثر . قوله : قلت أنا القائل أبو سلمة بن عبد الرحمن . قوله : أنا مع ابن أخي هذا على عادة العرب ؛ إذ ليس هو ابن أخيه حقيقة . قوله : كريبا نصب ؛ لأنه عطف بيان على قوله غلاما . قوله : سبيعة بضم السين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، ثم عين مهملة بنت الحارث . الأسلمي قيل : إنها أول امرأة أسلمت بعد صلح الحديبية وزوجها سعد بن خولة ، قال عروة : خولة من بني عامر بن لؤي ، وكان من مهاجرة الحبشة وشهد بدرا ، فإن قلت : قال في الجنائز إن سعد بن خولة مات بمكة ، وفي قصة بدر : توفي عنها ، وهنا قال : قتل . قلت المشهور الموت لا القتل ، وإنها قالت بالقتل بناء على ظنها . قوله : بأربعين ليلة وجاء بخمسة وثلاثين يوما ، وجاء بخمس وعشرين ليلة ، وجاء بثلاث وعشرين ليلة ، وفي رواية : بعشرين ليلة ، وهذا كله في تفسير عبد وابن مردويه ، ومحمد بن جرير قوله : فخطبت على صيغة المجهول . قوله : أبو السنابل هو ابن بعكك واسمه لبيد . وقيل : عمرو . وقيل : عبد الله . وقيل : أصرم . وقيل : حبة بالباء الموحدة . وقيل : حنة بالنون . وقيل : لبيد ربه ، وبعكك بفتح الباء الموحدة ، وسكون العين المهملة وبكافين ، أولاهما مفتوحة - ابن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري ، وأمه عمرة بنت أوس من بني عذرة بن سعد هذيم من مسلمة الفتح - كان شاعرا ، ومات بمكة - قاله أبو عمر ، وقال العسكري : هذا غير أبي السنابل عبد الله بن عامر بن كريز القرشي . وفقه هذا الحديث أن أجل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين عند ابن عباس ، وروي عن علي وابن أبي ليلى أيضا ، واختاره سحنون ، وروي عن ابن عباس رجوعه وانقضاء العدة بوضع الحمل ، وعليه فقهاء الأمصار ، وهو قول أبي هريرة وعمر وابن مسعود وأبي سلمة ، وسبب الخلاف تعارض الآيتين ؛ فإن كلا منهما عام من وجه وخاص من وجه ، فقوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ عام في المتوفى عنهن أزواجهن ، سواء كن حوامل أم لا . وقوله : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ عام في المتوفى عنهن سواء كن حوامل أم لا ، فهذا هو السبب في اختيار من اختار أقصى الأجلين ؛ لعدم ترجيح أحدهما على الآخر ، فيوجب أن لا يرفع تحريم العدة إلا بيقين ، وذلك بأقصى الأجلين ، غير أن فقهاء الأمصار اعتمدوا على الحديث المذكور ، فإنه مخصص لعموم قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وليس بناسخ ؛ لأنه أخرج بعض متناولاتها ، وحديث سبيعة أيضا متأخر عن عدة الوفاة ؛ لأنه كان بعد حجة الوداع .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/399666
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة