سورة والفجر
سورة والفجر أي هذا في تفسير بعض سورة الفجر ، وهي مكية ، وقيل : مدنية ، حكاه ابن النقيب ، عن ابن أبي طلحة ، وهي خمسمائة وسبعة وسبعون حرفا ، ومائة وتسع وثلاثون كلمة ، وثلاثون آية ، الفجر ، قال ابن عباس : يعني : النهار كله ، وعنه صلاة الفجر ، وعنه فجر المحرم ، وعن قتادة أول يوم من المحرم ، وفيه تتفجر السنة ، وعن الضحاك ، فجر ذي الحجة ، وعن مقاتل غداة جمع كل سنة ، وعن القرطبي انفجار الصبح من كل يوم إلى انقضاء الدنيا ، وقال الثعلبي : الفجر الصخور ، والعيون تنفجر بالمياه ، والله أعلم . وقال مجاهد : الوتر الله . أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ الوتر هو الله عز وجل رواه أبو محمد عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد بلفظ الشفع الزوج ، والوتر هو الله عز وجل ، وعند عبد بن حميد ، عن ابن عباس الشفع يوم النحر ، والوتر يوم عرفة ، وعن قتادة من الصلاة شفع ، ومنها وتر ، وقال الحسن : من العدد شفع ، ومنه وتر ، ويروى الشفع آدم وحواء عليهما السلام ، والوتر هو الله تعالى ، وقراءة المدينة ، ومكة ، والبصرة وبعض الكوفيين بفتح الواو هي لغة أهل الحجاز ، وعامة قراء الكوفة بكسرها .
﴿إرم ذات العماد ﴾القديمة ، والعماد أهل عمود لا يقيمون . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾قوله : إرم عطف بيان لعاد ، وكانت عاد قبيلتين عاد الأولى ، وعاد الأخيرة ، وأشير إلى عاد الأولى بقوله : القديمة ، وقيل : لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام عاد كما يقال لبني هاشم هاشم ، وإرم تسمية لهم باسم جدهم وهم عاد الأولى ، وقيل لمن بعدهم عاد الأخيرة ، وإرم غير منصرف قبيلة كانت ، أو أرضا للتعريف ، والتأنيث ، واختلف في ﴿إرم ذات العماد ﴾، فقيل : دمشق ، قاله سعيد بن المسيب ، وعن القرطبي هي الإسكندرية ، وعن مجاهد هي أمة ، ومعناها القديمة ، وعن قتادة هي قبيلة من عاد ، وعن ابن إسحاق هي جد عاد ، والصواب أنها اسم قبيلة ، أو بلدة . قوله : ذات العماد ذات الطول ، والشدة ، والقوة ، وعن المقدام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ﴿إرم ذات العماد ﴾، فقال : كان الرجل منهم يأتي الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم ، وعن الكلبي كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع ، وعن مقاتل طول أحدهم اثنا عشر ذراعا في السماء مثل أعظم أسطوانة ، وفي ( تفسير ابن عباس ) طول أحدهم مائة ذراع وأقصرهم اثنا عشر ذراعا .
قوله : والعماد مبتدأ ، وأهل عمود خبره ، أي أهل خيام لا يقيمون في بلدة ، وحاصل المعنى أنه قيل لهم ذات العماد ، لأنهم كانوا أهل عمود لا يقيمون ، وكانوا سيارة ينتجعون الغيث ، وينتقلون إلى الكلاء حيث كان ، ثم يرجعون إلى منازلهم فلا يقيمون في موضع ، وكانوا أهل جنان وزروع ، ومنازلهم كانت بوادي القرى ، وقيل : سموا ذات العماد لبناء بناه شداد بن عاد وحكايته مشهورة في التفاسير . سوط عذاب الذي عذبوا به . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾وفسر سوط عذاب بقوله : الذي عذبوا به ، فقيل : هو كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب يدخل فيه السوط ، وروى ابن أبي حاتم من طريق قتادة كل شيء عذب به سوط عذاب .
أكلا لما السف وجما الكثير . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾قوله : التراث ، أي تراث اليتامى ، أي ميراثهم . قوله : لما فسره بقوله : السف من سففت الأكل أسفه سفا ، ويقال أيضا : سففت الدواء أسفه وأسففت غيري ، وهو السفوف بالفتح ، وسففت الماء إذا أكثرت من شربه من غير أن تروى ، وقال الحسن : يأكل نصيبه ونصيب غيره ، وقال النسفي أكلا لما ذا لم ، وهو الجمع بين الحلال ، والحرام ، وعن بكر بن عبد الله اللم الاعتداء في الميراث يأكل كل شيء يجده ، ولا يسأل عنه أحلال أم حرام ، ويأكل الذي له ولغيره ، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ، ولا الصبيان ، وقيل : يأكلون ما جمعه الميت من المظلمة ، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل من حلاله وحرامه ، وقال أبو عبيدة ، يقال : لممت ما على الخوان إذا أتيت ما عليه وأكلته كله أجمع .
قوله : وجما الكثير ، أي معنى قوله : حبا جما ، أي كثيرا شديدا مع الحرص ، والشره عليه ، ومنع الحقوق ، يقال : جم الماء في الحوض إذا كثر واجتمع . وقال مجاهد : كل شيء خلقه ، فهو شفع السماء شفع ، والوتر الله تبارك وتعالى . أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والباقي ظاهر ، فإن قلت : السماء وتر ؛ لأنه سبع، قلت : معناه السماء شفع الأرض كالحار ، والبارد ، والذكر ، والأنثى .
وقال غيره : سوط عذاب كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب يدخل فيه السوط . أي قال غير مجاهد في قوله تعالى : ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾وقد مر الكلام فيه الآن ، ولو ذكر هذا عند قوله : سَوْطَ عَذَابٍ الذي عذبوا به لكان أولى وأرتب . لبالمرصاد إليه المصير .
أشار به إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾وفسره بقوله : إليه المصير ، وكذا فسره الفراء ، والمرصاد على وزن مفعال . وقال بعضهم : مفعال من مرصد ، وهو مكان الرصد، قلت : هذا كلام من ليس له يد في علم التصريف ، بل المرصاد هو المرصد ، ولكن فيه من المبالغة ما ليس في المرصد ، وهو مفعال من رصده كميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعذاب ، وأنهم لا يفوتونه ، وعن ابن عباس بحيث يرى ، ويسمع ، وعن مقاتل يرصد الناس على الصراط ، فيجعل رصدا من الملائكة معهم الكلاليب ، والمحاجن ، والحسك . تحاضون تحافظون وتحضون تأمرون بإطعامه .
أشار به إلى قوله تعالى : ولا يحضون على طعام المسكين وهنا قراءتان إحداهما : تحاضون بالألف ، وهي قراءة أهل الكوفة ، والأخرى تحضون بلا ألف ، وهي قراءة الباقين ، وعن الكسائي تحاضون بالضم ، وفسر الذي بلا ألف بقوله : تأمرون بإطعامه ، أي إطعام المسكين . المطمئنة المصدقة بالثواب ، وقال الحسن : يا أيتها النفس ، إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله واطمأن الله إليها ورضيت عن الله ورضي الله عنها ، فأمر بقبض روحها وأدخلها الله الجنة وجعله من عباده الصالحين . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ وفسر المطمئنة بقوله : المصدقة بالثواب ، وقيل : المطمئنة إلى ما وعد الله المصدقة بما قال ، وعن ابن كيسان المطمئنة المخلصة ، وعن ابن عطاء العارفة بالله تعالى التي لا تصبر عنه طرفة عين ، وقيل : المطمئنة بذكر الله دليله قوله تعالى : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وقيل : المتوكلة على الله .
قوله : وقال الحسن ، أي البصري ، في قوله عز وجل : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ إلى آخره وتأنيث الضمائر فيه في المواضع السبعة ظاهر ، لأنها ترجع إلى النفس ، وفي قوله : وجعله بالتذكير باعتبار الشخص ، ووقع في رواية الكشميهني بالتأنيث في ثلاث مواضع فقط ، وهي قوله : واطمأن الله إليها ، ورضي الله تعالى عنها ، وأدخلها الله الجنة ، وهذا التعليق رواه ابن أبي حاتم من طريق حفص عنه وإسناد الاطمئنان إلى الله تعالى مجاز يريد به لازمه وغايته من نحو إيصال الخير إليه ، وفيه المشاكلة ، والرضى هو ترك الاعتراض . وقال غيره : جابوا نقبوا من جيب القميص قطع له جيب يجوب الفلاة يقطعها . أي قال غير الحسن في قوله تعالى : ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾وفسر جابوا بقوله : نقبوا .
قوله : من جيب القميص إشارة إلى أن أصل الجيب القطع ، ومنه يقال : جبت القميص إذا قطعت له جيبا ، وكذلك يجوب الفلاة ، أي يقطعها ، وقال الفراء : جابوا الصخر خرقوه فاتخذوه بيوتا . لما لممته أجمع أتيت على آخره . لم يثبت هذا لأبي ذر وسقوطه أولى ؛ لأنه مكرر ذكر مرة عن قريب ، ومع هذا لو ذكر هناك لكان أولى .