باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل
حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليت ، حدثنا سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أوتيته وحيا أوحاه الله إلي وسعيد المقبري يروي عن أبيه كيسان . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن عبد العزيز بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، وأخرجه النسائي في التفسير وفي فضائل القرآن جميعا عن قتيبة .
قوله : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي يدل على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه ، ولا يضره من أصر على المعاندة ، قوله : ما مثله كلمة ما موصولة في محل النصب ؛ لأنه مفعول ثان لأعطي ، قوله : مثله مبتدأ ، وآمن عليه البشر خبره ، والجملة صلة الموصول ، والمثل يطلق ويراد به عين الشيء أو ما يساويه ، قوله : عليه القياس يقتضي أن يقال به ؛ لأن الإيمان يستعمل بالباء أو باللام ولا يستعمل بعلى ؛ ولكن فيه تضمين معنى الغلبة ، أي : يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكن قد يخذل فيعاند ، وقال الطيبي : لفظ عليه هو حال أي : مغلوبا عليه في التحدي والمباراة ، أي : ليس نبي إلا قد أعطاه الله من المعجزات الشيء الذي صفته أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به ، وتحريره أن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه كقلب العصا ثعبانا ؛ لأن الغلبة في زمان موسى للسحر فأتاهم بما فوق السحر ، فاضطرهم إلى الإيمان به ، وفي زمان عيسى الطب فجاء بما هو أعلى من الطب وهو إحياء الموتى ، وفي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغة فجاءهم بالقرآن . قوله : آمن وقع في رواية حكاها ابن قرقول : أومن بضم ثم واو ، قال أبو الخطاب : كذا قيدناه في رواية الكشميهني والمستملي ، وقال ابن دحية : وقيده بعضهم أيمن بكسر الهمزة بعدها ياء وميم مضمومة ، وفي رواية القابسي أمن بغير مد من الأمان ، والكل راجع إلى معنى الإيمان ، والأول هو المشهور . وقال النووي : اختلف في معنى هذا الحديث على أقوال : أحدها : أن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر ، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذي لم يعط أحد مثله ، فلهذا أنا أكثرهم تبعا ، والثاني : أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل بسحر أو تشبيه بخلاف معجزة غيري فإنه قد يخيل الساحر بشيء مما يقارب صورتها كما خيلت السحرة في صورة عصا موسى عليه السلام ، والخيال قد يروج على بعض العوام ، والفرق بين المعجزة والتخييل يحتاج إلى فكر ، فقد يخطئ الناظر فيعتقدهما سواء ، والثالث : أن معجزات الأنبياء عليهم السلام انقرضت بانقراضهم ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم ، ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن المستمر إلى يوم القيامة .
قوله : وإنما كان الذي أوتيته وحيا كلمة إنما للحصر ، ومعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن منحصرة في القرآن ، وإنما المراد أنه أعظم معجزاته وأفيدها فإنه يشتمل على الدعوة والحجة وينتفع به الحاضر والغائب إلى يوم القيامة ؛ فلهذا رتب عليه قوله : فأرجو أن أكون أكثرهم أي : أكثر الأنبياء تابعا أي : أمة تظهر يوم القيامة .