باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب أي : هذا باب في بيان أن القرآن نزل بلسان قريش ، أي : معظمه وأكثره ؛ لأن في القرآن همزا كثيرا ، وقريش لا تهمز ، وفيه كلمات على خلاف لغة قريش ، وقد قال الله تعالى : قُرْآنًا عَرَبِيًّا ولم يقل قرشيا ، ويحتمل أن يكون قوله : بلسان قريش أي : ابتداء نزوله ، ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم ، قوله : والعرب أي : ولسان العرب ، وهو من قبيل عطف العام على الخاص ؛ لأن قريشا من العرب لكن فائدة ذكر قريش بعد دخوله في العرب لزيادة شرف قريش على غيرهم من العرب ، وذلك كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقال الحكيم الترمذي في كتابه ( علم الأولياء ) : إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى لم ينزل وحيا قط إلا بالعربية ، وترجم جبريل عليه السلام لكل رسول بلسان قومه ، والرسول صاحب الوحي يترجم بلسان أولئك ، فأما الوحي فباللسان العربي . قرآنا عربيا ، بلسان عربي مبين ذكر هذا في معرض الاستدلال بأن القرآن على لسان العرب ، ولهذا وقع في رواية أبي ذر لقول الله تعالى : قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ 6 - حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ؛ وأخبرني أنس بن مالك قال : فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف ، وقال لهم : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش ؛ فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا . مطابقته للترجمة في قوله : فاكتبوها بلسان قريش . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وهذا الإسناد بعينه قد مر مرارا كثيرة مع اختلاف المتون . والحديث قد مضى في باب نزول القرآن بلسان قريش في باب المناقب . قوله : وأخبرني وفي رواية أبي ذر فأخبرني بالفاء ، قوله : أن ينسخوها أي : السور والآيات التي أحضرت من بيت حفصة ، وفي رواية الكشميهني أن ينسخوا ما في المصاحف ، أي : ينقلوا الذي فيها إلى مصاحف أخرى ، والأول هو المعتمد ؛ لأنه كان في صحف لا في مصاحف ، وقد ذكر عن ابن شهاب أنه قال : اختلفوا يومئذ في التابوت ، فقال زيد بن ثابت : إنه التابوه ، وقال ابن الزبير ومن معه : التابوت ، فترافعوا إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فقال : اكتبوه التابوت بلغة قريش ، قوله : في عربية أي : في لغة عربية من عربية القرآن أي : من لغته ، قوله : فإن القرآن أنزل بلسانهم أي : بلسان قريش ، والمراد معظم القرآن كما ذكرناه عن قريب ، قوله : ففعلوا أي : ففعل هؤلاء الصحابة الذي أمر به عثمان من كتابة القرآن بلغة قريش ، وقال ابن عباس : نزل القرآن بلغة قريش ولسان خزاعة ؛ لأن الدار كانت واحدة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أفصحكم ؛ لأني من قريش ، ونشأت في بني سعد بن مالك ، فلا يجب لذلك أن يقال القرآن نزل بلغة سعد بن بكر ؛ بل لا يمنع أن يقال بلغة أفصح العرب ومن دونها في الفصاحة إذا كانت فصاحتهم غير متفاوتة ، وقد جاءت الروايات أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بلغة قريش وغير لغتها ، كما أخرجه ابن أبي شيبة عن الفضل بن أبي خالد قال : سمعت أبا العالية يقول : قرأ القرآن على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خمسة رجال فاختلفوا في اللغة ، فرضي قراءتهم كلها ، وكان بنو تميم أعرب القوم ، فهذا يدل على أنه كان يقرأ بلغة بني تميم وخزاعة وأهل لغات مختلفة قد أقر جميعها ورضيها .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/399879
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة