باب فضل قل هو الله أحد
حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ ﴿قل هو الله أحد ﴾يرددها ، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، وكأن الرجل يتقالها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة كذا هو في الموطأ ، ورواه أبو صفوان الأموي ، عن مالك فقال : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، أخرجه الدارقطني والصواب هو الذي في الصحيح ، وكذا قال النسائي : الصواب عبد الرحمن بن عبد الله ، بعدما روي هذا الحديث . قوله : أن رجلا سمع رجلا الرجل السامع كان أبو سعيد الخدري راوي الحديث ، والرجل القارئ قتادة بن النعمان ، قوله : يرددها أي : يكررها ، قوله : يتقالها بتشديد اللام أي : يعد أنها قليلة ، وفي رواية ابن الطباع كأنه يقللها ، وفي رواية يحيى القطان ، عن مالك : فكأنه يستقلها ، والمراد استقلال قراءته لا التنقيص ، قوله : إنها أي : إن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾لتعدل ثلث القرآن .
واختلف في معناه فقال المازري : القرآن ثلاثة أنحاء : قصص وأحكام وصفات الله عز وجل ، وهذه السورة متمحضة للصفات ، وهي ثلث وجزء من الثلاثة ، وقيل : ثوابها يضاعف بقدر ثواب ثلث القرآن بغير تضعيف ، وقيل : القرآن لا يتجاوز ثلاثة أقسام : الإرشاد إلى معرفة ذات الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله وسننه ، ولما اشتملت هذه السورة على التقديس وازنها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بثلث القرآن ، وقيل : إن من عمل بما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان بالخالق كمن قرأ ثلث القرآن ، وقيل : قال ذلك لشخص بعينه قصده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال أبو عمر : نقول بما ثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا نعده ، ونكل ما جهلناه من معناه فنرده إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولا ندري لم تعدل هذه ثلث القرآن ، وقال ابن راهويه : ليس معناه أن لو قرأ القرآن كله كانت قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾تعدل ذلك إذا قرأها ثلاث مرات لا ولو قرأها أكثر من مائتي مرة ، وقال أبو الحسن القابسي : لعل الرجل الذي بات يرددها كانت منتهى حفظه فجاء يقلل عمله ، فقال له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لتعدل ثلث القرآن ترغيبا في عمل الخير وإن قل ، ولله عز وجل أن يجازي عبده على اليسير بأفضل مما يجازي الكثير ، وقال الأصيلي : معناه يعدل ثوابها ثواب ثلث القرآن ليس فيه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾وأما تفضيل كلام ربنا بعضه على بعض فلا ؛ لأنه كله صفة له ، وهذا ماش على أحد المذهبين أنه لا تفضيل فيه ، ونقله المهلب عن الأشعري وأبي بكر بن أبي الطيب وجماعة علماء السنة ، فإن قلت : في مسند ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال : بات قتادة بن النعمان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾حتى أصبح فذكرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن أو نصفه ، قلت : قال أبو عمر : هذا شك من الراوي لا يجوز أن يكون شكا من النبي صلى الله عليه وسلم على أنها لفظة غير محفوظة في هذا الحديث ولا في غيره ، والصحيح الثابت في هذا الحديث وغيره أنها لتعدل ثلث القرآن من غير شك ، وقد روى ثلث القرآن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم : أبي بن كعب وعمر ذكرهما أبو عمر وأبو أيوب وأبو مسعود الأنصاري وسماك ، عن النعمان بن بشير وأبان ، عن أنس .