حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من لم يتغن بالقرآن

حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتغنى بالقرآن . وقال صاحب له : يريد يجهر به . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث من أفراده ، وأخرجه في التوحيد أيضا .

قوله : للنبي بالنون والباء الموحدة في رواية رواة البخاري كلهم ، وفي رواية الإسماعيلي لشيء بالشين المعجمة ، وكذا في رواية مسلم في جميع طرقه ، قوله : ما أذن للنبي بالألف واللام عند أبي ذر ، وعند غيره لنبي بدون الألف واللام ، وقال بعضهم : فإن كانت محفوظة بالألف واللام فهي للجنس ، ووهم من ظنها للعهد وتوهم أن المراد نبينا صلى الله عليه وسلم فقال : ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم وشرحه على ذلك ، قلت : هذا الذي ذكره عين الوهم ، والأصل في الألف واللام أن يكون للعهد خصوصا في المفرد ، وعلى ما ذكره يفسد المعنى ؛ لأنه يكون على هذه الصورة لم يأذن الله لنبي من الأنبياء ما أذن لجنس النبي ، وهذا فاسد ، قوله : أن يتغنى كذا في رواية الكل بلفظة أن ، وفي رواية أبي نعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون أن ، وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف أن وأن إثباتها وهم من بعض الرواة ؛ لأنهم كانوا يروون بالمعنى ، فربما ظن بعضهم المساواة ، فوقع في الخطأ ؛ لأن الحديث لو كان بلفظ أن لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق ، وليس ذلك مرادا هنا ، وإنما هو من الإذن بفتحتين وهو الاستماع ، وقوله : أذن أي : استمع ، والحاصل أن لفظة أذن بفتحة ثم كسرة في الماضي ، وكذا في المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع ، تقول آذنت آذن بالمد ، فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسر ثم سكون ، وإن أردت الاستماع فالمصدر أذن بفتحتين ، وقال القرطبي : أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه ، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف التخاطب ، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه ؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء . واختلفوا في معنى التغني ، فعن الشافعي : تحسين الصوت بالقرآن ، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في سنن أبي داود : إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع ، وقيل : يستغني به ، وكذا وقع في رواية أحمد ، عن وكيع ، وقيل : يستغني به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة ، وقيل : معناه التشاغل به والتغني ، وقيل : ضد الفقر ، وقيل : من لم يرتح لقراءته وسماعه ، وقال الإمام : أوضح الوجوه في تأويله من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد فليس منا ، ومن تأول بهذا التأويل كره القراءة بالألحان والترجيع ، روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب الثواب ، وقالوا : كانوا يكرهونها بتطريب ، وهو قول مالك ، وممن قال المراد به تحسين الصوت والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون : الشافعي وآخرون ، وذكر عمر بن شبة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة الذي ذكر عن قريب فقال : ما يصنع ابن عيينة شيئا ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير قال : كان لداود عليه الصلاة والسلام معزفة يتغنى عليها ويبكى ويبكى ، وعن ابن عباس أنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين ، ومن الحجة لهذا القول أيضا حديث ابن مغفل في وصف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه ثلاث مرات وهذا غاية الترجيع ، ذكره البخاري في الاعتصام ، وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا لو أراد الاستغناء لقال : من لم يستغن بالقرآن ؛ ولكن لما قال من لم يتغن بالقرآن علمنا أنه أراد به التغني ، وكذلك فسره ابن أبي مليكة أنه تحسين الصوت ، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل ، وممن أجاز الألحان في القراءة فيما ذكره الطبري عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لأبي موسى رضي الله تعالى عنه : ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن ، وقال مرة : من استطاع أن يغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل ، وكان عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : اعرض علي سورة كذا ، فقرأ عليه فبكى عمر ، وقال : ما كنت أظن أنها نزلت ، واختاره ابن عباس وابن مسعود ، وروي عن عطاء بن أبي رباح ، واحتج بحديث عبيد بن عمير ، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان ، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بألحان ، وقال محمد بن عبد الحكم : رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بألحان ، واحتج الطبري لهذا القول ، وأن معنى الحديث تحسين الصوت ، بما روى سفيان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة يرفعه ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن وقال الطبري : ومعقول أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه وطرب به ، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت على التحزن والتخويف والتشويق ، وروى سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس أحسن صوتا بالقرآن ، قال : الذي إذا سمعته رأيته خشي الله تعالى وعند الآجري من حديث عبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر يرفعه : أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله عز وجل . قوله وقال صاحب له أي : لأبي سلمة ، والصاحب هو عبد الحميد بن عبد الرحمن ، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث ، أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات من طريقه بلفظ : ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن قال ابن شهاب : أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن أبي سلمة : يتغنى بالقرآن يجهر به ، فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة وسمعه من عبد الحميد عنه ، فكان تارة يسميه وتارة يبهمه ، وقال الكرماني : يجهر به معناه : بتحسين صوته وتحزينه وترقيقه ، ويستحب ذلك ما لم تخرجه الألحان عن حد القراءة ، فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفى حرفا فهو حرام .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث