حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه

حدثنا عمرو بن عون ، حدثنا حماد ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما لي في النساء من حاجة ، فقال رجل : زوجنيها ، قال : أعطها ثوبا ، قال : لا أجد ، قال : أعطها ولو خاتما من حديد ، فاعتل له ، فقال : ما معك من القرآن ، قال : كذا وكذا ، قال : فقد زوجتكها بما معك من القرآن . قيل : مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم زوج المرأة لحرمة القرآن ، واعترض عليه بأن السياق يدل على أنه زوجها له على أن يعلمها ، قلت : في كل منهما نظر ، أما الأول : فلأن الترجمة ليست في بيان حرمة القرآن ، وأما الثاني : فدلالته على التزويج على تعليم القرآن ، ويمكن أن يوجه المطابقة من قوله : كذا وكذا أي : سورة كذا على ما وقع هكذا في الباب الذي يليه ، وهو أن الفضل ظهر على الرجل بحفظه كذا وكذا سورة ، ولم يحصل له هذا الفضل إلا من فضل القرآن فدخل تحت قوله : خيركم من تعلم القرآن لأنه تعلم ودخل في المتعلمين ، ودخل أيضا تحت قوله : وعلمه لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما زوجه إياها على أن يعلمها القرآن . وبقي الكلام هنا في فصول .

الأول في رجال الحديث وهم : عمرو بالفتح ابن عون بن أوس الواسطي ، نزل البصرة ، وروى مسلم عنه بواسطة ، وحماد هو ابن زيد ، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار ، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في موضعين . الثاني : أنه أخرجه البخاري هنا أيضا عن قتيبة على ما يأتي ، وأخرجه أيضا في النكاح في مواضع في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج ، عن قتيبة ، عن يعقوب بأتم من هذا ، وهنا اختصره في باب إذا قال الخاطب للولي زوجني فلانة ، عن أبي النعمان ، عن حماد بن زيد إلى آخره مختصرا ، وفي باب التزويج على القرآن عن علي بن عبد الله ، وفي باب المهر بالعروض عن يحيى ، عن وكيع مختصرا ، وأخرجه بقية الجماعة ، فمسلم أخرجه في النكاح عن قتيبة بن سعيد ، وأبو داود فيه عن القعنبي ، والترمذي فيه عن الحسن بن علي ، والنسائي فيه وفي فضائل القرآن عن هارون بن عبد الله ، وابن ماجه في النكاح عن حفص بن عمرو . الثالث في معناه ، قوله : امرأة اختلف في اسم هذه المرأة الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل هي خولة بنت حكيم ، وقيل : هي أم شريك الأزدية ، وقيل : ميمونة ، حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو القاسم بن بشكوال في كتاب المبهمات ، وقال شيخنا زين الدين : لا يصح شيء من هذه الأقوال الثلاثة ، أما خوله فإنها لم تتزوج ، وكذلك أم شريك لم تتزوج ، وأما ميمونة فكانت إحدى زوجاته ، فلا يصح أن تكون هذه ؛ لأن هذه قد زوجها لغيره ، قوله : ولو خاتما بالنصب أي : ولو كان الذي يعطيها خاتما ، ويروى بالرفع فوجهه إن صحت الرواية يكون مرفوعا بـكان التامة المقدرة ، أي : ولو كان خاتم ، قوله : من حديد كلمة من بيانية ، قوله : فاعتل له أي : حزن وتضجر لأجل ذلك ، وقد جاء اعتل بمعنى تشاغل ، قوله : ما معك من القرآن أي : أي شيء تحفظ من القرآن ، قوله : قال كذا وكذا وقد جاء في رواية أبي داود سورة البقرة والتي تليها .

الرابع في استنباط الأحكام منه : فيه جواز عقد النكاح بلفظ الهبة ، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي ، وصورته أن يقول الرجل : قد وهبت لك ابنتي ، فيقول الآخر : قبلت أو تزوجت ، وسواء في ذلك سميا المهر أو لا ، فإن سمياه فلها المسمى وإلا فلها مهر مثلها ، وقال الشافعي : لا ينعقد بلفظ الهبة ، وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد ومالك على اختلاف عنه ، ولا خلاف في جواز هبة المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من خصائصه لقوله عز وجل : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ وقال ابن القاسم عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه ما يستدل به الشافعي على جواز النكاح بما تراضى عليه الزوجان كالسوط والنعل وإن كانت قيمته أقل من درهم ، وبه قال ربيعة وأبو الزناد وابن أبي ذئب ويحيى بن سعيد والليث بن سعد ومسلم بن خالد الزنجي وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وداود وابن وهب من المالكية ، وقال مالك : لا يجوز أقل من ربع دينار قياسا على القطع في السرقة ، وقال ابن حزم : وجائز أن يكون صداقا كل ما له نصف قل أو كثر ولو أنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك ، واستدل على ذلك بقوله ولو خاتما من حديد وعن إبراهيم النخعي : أكره أن يكون المهر بمثل أجر البغي ولكن العشرة والعشرين ، وعنه السنة في النكاح الرطل من الفضة ، وعن الشعبي كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاث أواقي ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز أن يكون الصداق أقل من عشرة دراهم ؛ لما روى ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن شريك ، عن داود الزعافري ، عن الشعبي قال : قال علي رضي الله تعالى عنه : لا مهر أقل من عشرة دراهم ، والظاهر أنه قال توقيفا ؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس ، فإن قلت : قال ابن حزم : الرواية عن علي باطلة ؛ لأنها عن داود الزعافري وهو في غاية السقوط ، ثم هي مرسلة ؛ لأن الشعبي لم يسمع من علي قط حديثا ، قلت : قال ابن عدي : لم أر له حديثا منكرا جاوز الحد إذا روى عنه ثقة ، وإن كان ليس بقوي في الحديث فإنه يكتب حديثه ويقبل إذا روى عنه ثقة ، وذكر المزي أن الشعبي سمع علي بن أبي طالب ، ولئن سلمنا أن روايته مرسلة فقد قال العجلي : مرسل الشعبي صحيح ولا يكاد يرسل إلا صحيحا ، والجواب عن قوله : ولو خاتما من حديد أنه خارج مخرج المبالغة كما في قوله : تصدقوا ولو بظلف محرق وفي لفظ : ولو بفرسن شاة وليس الظلف والفرسن مما يتصدق بهما ولا مما ينتفع بهما ، ويقال : ولعل الخاتم كان يساوي ربع دينار ، ويقال : لعل التماسه للخاتم لم يكن كل الصداق بل شيء يعجله لها قبل الدخول . وفيه إجازة اتخاذ خاتم الحديد ، واختلف العلماء في جواز لبسه ، وفيه ما يستدل به الشافعي وأحمد في رواية والظاهرية على جواز التزويج على سورة من القرآن ، وعليه أن يعلمها ، ولم يجوز ذلك أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد في رواية صحيحة والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه ، وقالوا : إذا تزوجها علي تعليم سورة فالنكاح صحيح ويجب فيه مهر مثلها ، وهذا كمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا فإنه يجب مهر المثل ، وأجاب الطحاوي عنه بأن قوله : زوجتكها بما معك من القرآن إن حمل على الظاهر فذلك على السورة لا على تعليمها ، وإذا كان ذلك على السورة فهو على حرمتها ، وليس فيه التعرض للمهر كما في تزوج أم سليم على إسلامه ، فلم يكن ذلك الإسلام مهرا في الحقيقة ، والسورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، ويكون المعنى زوجتكها بسبب حرمة ما معك من القرآن وبركته ، فتكون الباء للتعليل كما في قوله : فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فإن قلت : في رواية ابن ماجه زوجتكها على ما معك من القرآن وفي مسند أسد السنة ما معك من القرآن قلت : أما على فإنها تجيء للتعليل أيضا كالباء كما في قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ أي : لهدايته إياكم ، ويكون المعنى زوجتكها لأجل ما معك من القرآن ، ولا ينافي هذا تسمية المال ، وأما مع فإنها للمصاحبة ، والمعنى زوجتكها لمصاحبتك القرآن ، فإن قلت : الأصل في الباء للمقابلة فتكون هاهنا نحو قولك بعتك ثوبي بدينار ، قلت : لا يصح هنا أن تكون للمقابلة ؛ لأنه يلزم أن تكون المرأة موهوبة ، وذلك لا يجوز إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : المعنى زوجتكها بأن تعلمها ما معك من القرآن أو مقدار ما منه ويكون ذلك صداقها ، والدليل عليه ما جاء في رواية مسلم انطلق فقد زوجتكها ، فعلمها من القرآن وفي رواية عطاء فعلمها عشرين آية قلت : قد ذكرنا غير مرة أن هذا لا ينافي تسمية المال فيكون قد زوجها منه مع تحريضه على تعليم القرآن ، ويكون المهر مسكوتا عنه إما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد أصدق عنه كما كفر عن الواطئ في رمضان إذ لم يكن عنده شيء مرفقا بأمته ، وإما أنه أبقى الصداق في ذمته إلى أن ييسر الله عليه .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث