باب الأكفاء في الدين
حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن عبيد الله قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ولدينها ولا سيما أمر فيه بطلب ذات الدين ودعا له أو عليه بقوله : تربت يداك إذا ظفر بذات الدين وطلب غيرها ، وإنما قلنا له أو عليه لاستعمال تربت يداك في النوعين على ما نذكر الآن . ويحيى : هو ابن سعيد القطان ، وعبيد الله بن عمر العمري ، وسعيد بن أبي سعيد المقبري يروي عن أبيه ، أبي سعيد واسمه كيسان ، عن أبي هريرة والحديث أخرجه مسلم في النكاح أيضا ، عن محمد وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسدد به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن عبيد الله بن سعيد به ، وأخرجه ابن ماجه ، عن يحيى بن حكيم .
قوله : تنكح المرأة على صيغة المجهول والمرأة مرفوع به ، قوله : لأربع أي لأربع خصال ، قوله : لمالها لأنها إذا كانت صاحبة مال لا تلزم زوجها بما لا يطيق ولا تكلفه في الإنفاق وغيره ، وقال المهلب : هذا دال على أن للزوج الاستمتاع بمالها فإنه يقصد لذلك فإن طابت به نفسا فهو له حلال ، وإن منعته فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من الصداق واختلفوا إذا أصدقها وامتنعت أن تشتري شيئا من الجهاز فقال مالك : ليس لها أن تقضي به دينها وأن تنفق منه ما يصلحها في عرسها إلا أن يكون الصداق شيئا كثيرا فتنفق منه شيئا يسيرا في دينها ، وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي : لا تجبر على شراء ما لا تريد والمهر لها تفعل فيه ما شاءت . قوله : ولحسبها هو إخبار ، عن عادة الناس في ذلك والحسب ما يعده الناس من مفاخر الآباء ، ويقال : الحسب في الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فيحكم لمن زاد عدده على غيره وقيل : المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة ، وقيل : المال وهذا ليس بشيء ؛ لأن المال ذكر قبله . قوله : وجمالها ؛ لأن الجمال مطلوب في كل شيء ولا سيما في المرأة التي تكون قرينته وضجيعته ، قوله : ولدينها لأنه به يحصل خير الدنيا والآخرة واللائق بأرباب الديانات وذوي المروآت أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء ولا سيما فيما يدوم أمره ، ولذلك اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم بآكد وجه وأبلغه فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية فلذلك قال : فاظفر بذات الدين فإن بها تكتسب منافع الدارين تربت يداك إن لم تفعل ما أمرت به .
وقال الكرماني : فاظفر جزاء شرط محذوف أي إذا تحققت تفصيلها فاظفر أيها المسترشد بها . واختلفوا في معنى تربت يداك فقيل : هو دعاء في الأصل إلا أن العرب تستعملها للإنكار والتعجب والتعظيم والحث على الشيء وهذا هو المراد به هاهنا ، وفيه الترغيب في صحبة أهل الدين في كل شيء ؛ لأن من صاحبهم يستفيد من أخلاقهم ويأمن المفسدة من جهتهم ، وقال محي السنة : هي كلمة جارية على ألسنتهم كقولهم : لا أب لك ولم يريدوا وقوع الأمر ، وقيل : قصده بها وقوعه لتعدية ذوات الدين إلى ذوات المال ونحوه أي تربت يداك إن لم تفعل ما قلت لك من الظفر بذات الدين ، وقيل : معنى تربت يداك أي لصقت بالتراب وهو كناية عن الفقر ، وحكى ابن العربي أن معناه استغنت يداك ورد بأن المعروف أترب إذا استغنى وترب إذا افتقر ، وقيل : معناه ضعف عقلك ، وقال القرطبي : معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هي التي ترغب في نكاح المرأة لا أنه وقع الأمر بذلك بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كل من ذلك لكن قصد الدين أولى قال : ولا يظن أن هذه الأربع تؤخذ منها الكفاءة أي تنحصر فيها فإن ذلك لم يقل به أحد ، وإن كانوا اختلفوا في الكفاءة ما هي ، انتهى . وقال المهلب : الأكفاء في الدين هم المتشاكلون وإن كان في النسب تفاضل بين الناس ، وقد نسخ الله ما كانت تحكم به العرب في الجاهلية من شرف الأنساب بشرف الصلاح في الدين فقال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال ابن بطال : اختلف العلماء في الأكفاء منهم ، فقال مالك : في الدين دون غيره ، والمسلمون أكفاء بعضهم لبعض فيجوز أن يتزوج العربي والمولى القرشية روي ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن سيرين واستدلوا بقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وبحديث سالم وبقوله صلى الله عليه وسلم : عليك بذات الدين وعزم عمر رضي الله تعالى عنه أن يزوج ابنته من سلمان رضي الله عنه ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : يا بني بياضة أنكحوا أبا هند فقالوا : يا رسول الله أنزوج بناتنا من موالينا فنزلت : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى الآية ، رواه أبو داود وقال صلى الله عليه وسلم : فيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه قال : ورواه أبو الليث ، عن ابن عجلان ، عن أبي هريرة مرسلا ، وقال أبو حنيفة : قريش كلهم أكفاء بعضهم لبعض ولا يكون أحد من العرب كفؤا لقرشي ، ولا أحد من الموالي كفؤا للعرب ، ولا يكون كفؤا من لا يجد المهر والنفقة ، وفي التلويح : احتج له بما رواه نافع ، عن مولاه مرفوعا قريش بعضها لبعض أكفاء إلا حائك أو حجام ، قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : هو حديث منكر ورواه هشام الرازي فزاد فيه أو دباغ قلت : هذا الحديث رواه الحاكم ، حدثنا الأصم الصنعاني ، حدثنا شجاع بن الوليد ، حدثنا بعض إخواننا ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل والموالي بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل إلا حائك أو حجام ، وقال صاحب التنقيح : هذا منقطع إذ لم يسم شجاع بن الوليد بعض إخوانه ورواه البيهقي ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث بقية بن الوليد ، عن زرعة بن عبد الله والزبيدي ، عن عمران بن أبي الفضل الأيلي ، عن نافع ، عن ابن عمر نحوه سواء قال ابن عبد البر : هذا حديث منكر موضوع ، وقد روى ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عمر مرفوعا مثله ، ولا يصح عن ابن جريج ، ورواه ابن حبان في كتاب الضعفاء وأعله بعمران بن أبي الفضل ، وقال : إنه يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتب حديثه ، وقالوا في اعتبار الكفاءة أحاديث لا تقوم بأكثرها الحجة ، وأمثلها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه رواه الترمذي ، حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن سعيد بن عبد الله الجهني ، عن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : يا علي ثلاث لا تؤخرها الصلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيم إذا وجدت كفؤا وقال الترمذي : غريب وما أرى إسناده متصلا وأخرجه الحاكم كذلك ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .