باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع
ج٢٠ / ص١٣٣- 76 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، قال : قال أبو هريرة يأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك . مطابقته للترجمة في قوله : ( ولا يخطب ) إلى آخره ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، والحديث من أفراده . قوله : ( يأثر ) أي يروي من أثرت الحديث آثره بالمد أثرا بفتح أوله وسكون الثاني إذا ذكرته عن غيرك ، قوله : ( إياكم والظن ) تحذير منه ، وقال البيضاوي : التحذير عن الظن إنما هو فيما يجب فيه القطع والتحديث مع الاستغناء عنه .
وقال ابن التين : يريد به أن تحقق الظن قد يوقع به في الإثم . قيل : وإياكم والظن تحذير منه ، والحال أنه يجب على المجتهد متابعة ظنه وكذا على مقلده ، وأجيب بأن ذلك من أحكام الشريعة ، وقيل : إحسان الظن بالله عز وجل وبالمسلمين واجب ، وأجيب بأن هذا تحذير من ظن السوء بهم ، وقيل : الجزم سوء الظن ، وهو ممدوح ، وأجيب بأن ذلك بالنسبة إلى أحوال نفسه وما يتعلق بخاصته ، وحاصله أن المدح للاحتياط فيما هو ملتبس به ، قوله : ( فإن الظن أكذب الحديث ) يعني أن الظن أكثر كذبا من الكلام ، وقيل : إن إثم هذا الكذب أزيد من إثم الحديث أو من سائر الأكاذيب ، وإنما كان إثمه أكثر لأنه أمر قلبي والاعتبار به كالإيمان ونحوه ، وقيل : الظن ليس كذبا ، وشرط أفعل أن يكون مضافا إلى جنسه ، وأجيب بأنه لا يلزم أن يكون الكذب صفة للقول بل هو صادق أيضا على كل اعتقاد وظن ونحوهما إذا كان مخالفا للواقع أو الظن كلام نفساني ، وأفعل قد يضاف إلى غير جنسه أو بمعنى أن الظن أكثره كذب أو المظنونات يقع فيها الكذب أكثر من المجزومات ، وقال الخطابي : تحقيق الظن دون ما يهجس في النفس ، فإن ذلك لا يملك أي المحرم من الظن ما يصر صاحبه عليه ويستمر في قلبه دون ما يعرض ولا يستقر ، والمقصود أن الظن يهجم صاحبه على الكذب إذا قال على ظنه ما لم يتيقنه فيقع الخبر عنه حينئذ كذبا ، أي أن الظن منشأ أكثر الكذب . قوله : ( ولا تجسسوا ولا تحسسوا ) الأول بالجيم والثاني بالحاء المهملة ويروى بالعكس ، واختلفوا فيهما التحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم ، وبالجيم البحث عن العورات ، وقيل بالحاء هو أن تطلبه لغيرك ، وقيل هما بمعنى وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة والأحوال ، قاله الحربي ، وقيل بالحاء في الخير وبالجيم في الشر ، وقال ابن حبيب : بالحاء أن تسمع ما يقول أخوك فيك ، وبالجيم أن ترسل من يسأل لك عما يقال لك في أخيك من السوء .
قوله : ( ولا تباغضوا ) من باب التفاعل الذي هو اشتراك الجماعة وهو من البغض ضد الحب ، قوله : ( وكونوا إخوانا ) أي كإخوان في جلب نفع ودفع مضرة ، قوله : ( حتى ينكح ) قيل : كيف يصح هو غاية لقوله : لا يخطب ، وأجيب بأن بعد النكاح لا يمكن الخطبة فكأنه قال : لا يخطب على الخطبة أصلا كقوله عز وجل : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ