باب قول الله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة
( باب قول الله تعالى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً وكثرة المهر وأدنى ما يجوز من الصداق ، وقوله تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا وقوله جل ذكره : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ وقال سهل قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ولو خاتما من حديد " ) أي هذا باب في بيان ما يدل عليه قول الله : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً أي أعطوا النساء مهورهن ، وكأن البخاري أشار بهذا وبما ذكر بعده أن المهر لا يقدر أقله ، وسيجيء الكلام فيه مفصلا ، والصدقات جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال وهو مهر المرأة وقرئ : صدقاتهن ، بفتح الصاد وسكون الدال ، وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال ، وصدقاتهن بضم الصاد وضم الدال ، قوله : نِحْلَةً منصوب على المصدر ؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء والتقدير أنحلوهن مهورهن نحلة ، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال من المخاطبين ، أي آتوهن مهورهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء ، ويجوز أن يكون حالا من الصدقات ويكون معنى نحلة ملة ، يقال نحلة الإسلام خير النحل ويكون التقدير : وآتو النساء صدقاتهن منحولة معطاة ، ويجوز أن يكون منصوبا على التعليل أي آتوهن صدقاتهن للنحلة والديانة ، قوله : ( وكثرة المهر ) بالجر عطفا على قول الله تعالى ، أي في بيان كثرة المهر ، وأشار به إلى جواز كثرة المهر فلأجل ذلك ذكر قوله تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ج٢٠ / ص١٣٧والقنطار المال العظيم من قنطرت الشيء إذا رفعته ، ومنه القنطرة ، قاله الزمخشري ، واختلفوا فيه هل هو محدود أم لا ، فقال أبو عبيد : هو وزن لا يحد ، وقيل : هو محدود . ثم اختلفوا فيه فقيل : هو ألف ومائتا أوقية ، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبه قال معاذ بن جبل وابن عمر ، وقيل : اثنا عشر ألف أوقية ، رواه أبو هريرة ، وقيل : ألف ومائتا دينار ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وقيل : سبعون ألف دينار ، وروي عن ابن عمر ومجاهد ، وقيل : ثلاثون ألف درهم أو مائة رطل من الذهب ، وقيل : سبعة آلاف دينار ، وقيل : ثمانية آلاف دينار ، وقيل : ألف مثقال ذهب أو فضة ، وقيل : ملء مسك ثور ذهبا ، وكل ذلك تحكم إلا ما روي عن خبر ، وعن ابن عباس في هذه الآية : وإن كرهت امرأتك وأردت أن تطلقها وتتزوج غيرها فلا تأخذ منها شيئا من مهرها ولو كان قنطارا من الذهب . قوله : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ وزاد أبو ذر فريضة قوله ، وقال سهل بن سعد في حديث الواهبة نفسها : ولو خاتما من حديد ، وقد مضى حديث سهل مرارا عديدة ، وذكر هنا طرفا منه وأشار به البخاري أيضا إلى أن المهر لا يقدر بشيء .
وقد اختلف العلماء في أكثر الصداق وأقله ، فزعم المهلب أنه لا حد لأكثره لقوله تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا وذكر عبد الرزاق عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : لا تغالوا في صدقات النساء ، فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر ، إن الله عز وجل قال : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فقال : إن امرأة خاصمت عمر فخصمته . وذكر أبو الفرج الأموي وغيره أن عمر أصدق أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أربعين ألفا ، وأن الحسن بن علي تزوج امرأة فأرسل إليها مائة جارية ومائة ألف درهم ، وتزوج معصب بن الزبير عائشة بنت طلحة فأرسل إليها ألف ألف درهم ، فقيل في ذلك :
وأصدق زينب بنت خزيمة ثنتي عشرة أوقية ونشا ، وأم سلمة على متاع قيمته عشرة دراهم ، وقيل : كان جرتين ورحى ووسادة حشوها ليف ، وعند أبي الشيخ : على جرار خضر ورحى يد ، وعند الترمذي : على أربعمائة درهم ، وفي مسلم لما قال الأنصاري وقد تزوج : بكم تزوجتها؟ قال : على أربع أواق ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أربع أواق كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل " وعند ابن حبان عن أبي هريرة : كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أواق ، زاد أبو الشيخ في كتاب النكاح : فطبق يده وذاك أربعمائة درهم . وعن عدي بن حاتم : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صداق بناته أربعمائة درهم
، وبسند لا بأس به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ربيعة بن كعب الأسلمي امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب. وروي عن أنس : قيمة النواة خمسة دراهم .
وفي رواية : ثلاثة دراهم وثلث درهم ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل . وعن بعض المالكية : النواة ربع دينار ، وقال أبو عبيدة : لم يكن هناك ذهب إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية ،
وبسند جيد عند أبي الشيخ عن جابر : إنا كنا لننكح المرأة على الحفنة أو الحفنتين من الدقيق ، ولما ذكره المرزباني استغربه .وعند البيهقي قال صلى الله عليه وسلم : " لو أن رجلا تزوج امرأة على ملء كفه من طعام لكان ذلك صداقا " ، وفي لفظ : قال صلى الله عليه وسلم : " من أعطى في صداق امرأة ملء الحفنة سويقا أو تمرا فقد استحل " ، قال البيهقي : رواه ابن جريج فقال فيه : كنا نستمتع بالقبضة ، وابن جريج أحفظ ،
وفي كتاب أبي داود عن يزيد عن موسى عن مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر يرفعه : " من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل " ، وقال ابن القطان : وموسى لا يعرف ، وقال أبو محمد : لا يعول عليه.
وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرضيت من نفسك ومالك بنعلين ؟ قالت : نعم ، فأجازه "
وروى البيهقي في المعرفة والدارقطني في سننه والطبراني في معجمه عن محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ج٢٠ / ص١٣٨قال : " أدوا العلائق ، قالوا : يا رسول الله ما العلائق ؟ قال : ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك " ، قلت : هو معلول بمحمد بن عبد الرحمن السلماني ، قال ابن القطان : قال البخاري : منكر الحديث. وقال ابن القاسم : لو تزوجها بدرهمين ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع إلا بدرهم . وعن الثوري : إذا تراضوا على درهم في المهر فهو جائز ، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس قال : النكاح جائز على جوزة إذا هي رضيت .
وذهب ابن حزم إلى جوازه بكل ماله نصف قل أو أكثر ، ولو أنه حبة بر أو حبة شعيرة وشبههما ، وسئل ربيعة عما يجوز من النكاح فقال درهم ، قيل : فأقل ، قال : ونصف ، قيل : فأقل ، قال : حبة حنطة أو قبضة حنطة ، وقال الشافعي : سألت الدراوردي هل قال أحد بالمدينة لا يكون صداق أقل من ربع دينار ؟ فقال : لا والله ما عملت أحدا قاله قبل مالك . قال الدراوردي : أخذه عن أبي حنيفة يعني في اعتبار ما يقطع به اليد . قال الشافعي : روى بعض أصحاب أبي حنيفة في ذلك عن علي فلا يثبت مثله لو لم يخالفه غيره أنه لا يكون مهرا أقل من عشرة دراهم .
قلت : قال أصحابنا : أقل المهر عشرة دراهم سواء كانت مضروبة أو غيرها حتى يجوز وزن عشرة تبرا وإن كانت قيمته أقل بخلاف السرقة
لما روى الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تنكحوا النساء إلا للأكفاء ، ولا يزوجهن إلا الأولياء ، ولا مهر دون عشرة دراهم " . فإن قلت : فيه مبشر بن عبيد متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها ، قاله الدارقطني ، وقال البيهقي في المعرفة عن أحمد بن حنبل أنه قال : أحاديث بشر بن عبيد موضوعة كذب . قلت : رواه البيهقي من طرق ، والضعيف إذا روي من طريق يصير حسنا فيحتج به ، ذكره النووي في شرح المهذب، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : أقل ما يستحل به المرأة عشرة دراهم ، ذكره البيهقي وأبو عمر بن عبد البر .
80 - – ( حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم بشاشة العرس فسأله فقال : إني تزوجت امرأة على وزن نواة . مطابقته للترجمة من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع من عبد الرحمن ما قاله سكت فيدل على أن المهر غير مقدر وأنه على التراضي بين الزوجين ، والنواة زنة خمسة دراهم . والحديث أخرجه مسلم في النكاح عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن قدامة .
قوله : ( بشاشة العرس ) وهي الفرح الذي حصل منه ، وبشاشة اللقاء الفرح بالمرء والانبساط إليه والأنس به ، ويروى : " فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يشبه العرس " ، قال ابن قرقول : كذا في كتاب الأصيلي والقابسي والنسفي وبعض رواة البخاري وهو تصحيف وصوابه "بشاشة العرس" كما لأبي ذر وابن السكن ، ويروى "العروس" ، وفي رواية مسلم : " قال عبد الرحمن بن عوف : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بشاشة العرس " ، وفي رواية له عن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرة فقال : " ما هذا ؟ قال : يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب ، قال : فبارك الله لك أولم ولو بشاة " .