حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من إضجار الضرة

حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن هشام ، عن فاطمة ، عن أسماء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحدثني محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى ، عن هشام ، حدثتني فاطمة ، عن أسماء أن امرأة قالت : يا رسول الله ، إن لي ضرة ، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقوله المتشبع يشمل شطري الترجمة .

وهشام هو ابن عروة بن الزبير ، وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير ، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه مسلم : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا وكيع وعبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة قالت : يا رسول الله ، أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . وقال الدارقطني في العلل : عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، إنما يرويه هكذا معمر والمبارك بن فضالة ، والصحيح عن فاطمة عن أسماء ، وإخراج مسلم حديث هشام عن أبيه عن عائشة لا يصح ، والصواب حديث عبدة ووكيع وغيرهما عن هشام عن فاطمة عن أسماء ، ولما رواه النسائي في سننه من حديث معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قال : هذا خطأ ، والصواب حديث أسماء .

قلت : ومسلم أخرجه أيضا من حديث هشام عن فاطمة عن أسماء ، فيحتمل أن يكون كلاهما صحيحين عنده ، ثم إن البخاري أخرج هذا الحديث من طريقين ؛ أحدهما عن سليمان بن حرب عن هشام عن حماد بن زيد عن فاطمة عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر عن محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة . إلى آخره . قوله ( إن لي ضرة ) ، وفي رواية الإسماعيلي : إن لي جارة - وهي الضرة أيضا .

قوله ( جناح ) ؛ أي إثم . قوله ( إن تشبعت من زوجي ) ؛ أي قالت أسماء الراوية إن تشبعت من زوجي الزبير بن العوام ، كذا سميت المرأة وضرتها ، وبعضهم قال لم أقف على تعيين هذه المرأة وزوجها . قوله ( المتشبع ) ، قال أبو عبيدة : المتشبع المتزين بأكثر مما عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل ، كالمرأة تكون لها ضرة فتشبع عندها بما تدعيه من الحظوة عند زوجها بأكثر مما عنده لها تريد بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها ، وكذلك هذا في الرجل .

وقال النووي : المتكثر بما ليس عنده مذموم مثل من لبس ثوبي زور . وقيل : هو من يلبس قميصا واحدا ويصل بكميه كمين آخرين فيظهران عليه قميصين . وقال الزمخشري في الفائق : المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به ، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها ، وشبه بلابس ثوبي زور - أي ذي زور - وهو الذي يزور على الناس بأن يتزيا بزي أهل الصلاح رياء ، وأضاف الثوبين إليه لأنهما كانا ملبوسين لأجله وهو المسوغ للإضافة ، وأراد أن المتجلي كمن لبس ثوبين من الزور وقد ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر ، كقوله : إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقال الكرماني : معناه المظهر للشبع وهو جائع كالمزور الكاذب الملتبس بالباطل ، وشبه الشبع بلبس الثوب بجامع أنهما يغشيان الشخص تشبيها تحقيقيا أو تخييليا كما قرر السكاكي في قوله تعالى : فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ثم قال : وفائدة التشبيه المبالغة إشعارا بأن الإزار والرداء زور من رأسه إلى قدمه ، أو الإعلام بأن في التشبع حالتين مكروهتين : فقدان ما تشبع به ، وإظهار الباطل .

وقال الخطابي : هذا متأول على وجهين ؛ أحدهما : أن الثوب مثل ، ومعناه المتشبع بما لم يعط صاحب زور وكذب ، كما يقال للرجل إذا وصف بالبراءة من العيوب إنه طاهر الثوب نقي الجيب ونحوه من الكلام ، فالثوب في ذلك مثل والمراد به نفسه وطهارتها . والثاني : أن يراد به نفس الثوب ، قالوا : كان في الحي رجل له جبة حسنة ، فإذا احتاجوا إلى شهادة الزور فيشهد لهم فيقبل لنبله وحسن ثوبه . وقال ابن التين : معناه أن المرأة تلبس ثوب وديعة أو عارية ليظن الناس أنهما لها ، فلباسها لا يدوم وتفتضح بكذبها .

وقال الداودي : إنما كره ذلك لأنها تدخل بين المرأة الأخرى وزوجها البغضاء فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه . قوله ( بما لم يعط ) على صيغة المجهول ، وفي رواية معمر : بما لم يعطه . وفي الترجمة : بما لم ينل .

وقال ابن الأثير : المتشبع بما لا يملك . والكل متقارب في المعنى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث