حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لم تحرم ما أحل الله لك

حدثني الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول : سمعت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا ، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلتقل إني أجد منك ريح مغافير ! أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال : لا ، بل شربت عسلا عند زينب ابنة جحش ولن أعود له ! فنزلت : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى : إن تتوبا إلى الله ؛ لعائشة وحفصة . وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - لقوله : بل شربت عسلا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحسن بن محمد بن الصباح هو الزعفراني وقد مر ذكره عن قريب ، وحجاج هو ابن محمد الأعور ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعطاء هو ابن أبي رباح .

وأهل الحجاز يطلقون الزعم على مطلق القول ، والمعنى قال : قال عطاء ، ووقع في رواية هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء ، وقد مضى في التفسير . وعبيد بن عمير - كلاهما بالتصغير - هو أبو عاصم الليثي المكي . وهنا ثلاثة مكيون متوالية ؛ وهم : ابن جريج ، وعطاء ، وعبيد .

والحديث قد مر في سورة التحريم ومضى الكلام فيه هناك . قوله ( فتواصيت ) بالصاد المهملة ، قال بعضهم : من المواصاة . قلت : ليس كذلك ، بل من التواصي ، ومن لم يفرق بين باب التفاعل وباب المفاعلة كيف تقدم إلى ميدان الشرح ! وفي رواية هشام فتواطأت بالطاء ، وكذلك قال القائل المذكور إنه من المواطأة وليس كذلك ، بل هو من التواطؤ .

قوله ( أن أيتنا ) بفتح الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف المفتوحة وفتح التاء المثناة من فوق ، وهي كلمة أي أضيفت إلى نون المتكلم ، وقال الكرماني : ويروى إن أوتينا ودخل علينا ، قلت : ولا تحققت لي صحتها ، ويروى ما دخل ، وكلمة ما زائدة . قوله ( مغافير ) بالياء آخر الحروف بعد الفاء في جميع نسخ البخاري ، ووقع في بعض النسخ عند مسلم في بعض المواضع مغافر بحذف الياء ، وقال عياض : الصواب إثباتها لأنها عوض عن الواو التي للمفرد لأنه جمع مغفور - بضم الميم وإسكان الغين المعجمة وضم الفاء وبالواو والراء ، وليس في كلامهم مفعول بالضم إلا مغفور ومغرور بالغين المعجمة من أسماء الكماة ومنخور من أسماء الأنف ومغلوق بالغين المعجمة واحد المغاليق . وقال ابن قتيبة : المغفور صمغ حلو له رائحة كريهة .

وذكر البخاري أن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرمث - بكسر الراء وسكون الميم وبالثاء المثلثة - وهو من الشجر التي ترعاها الإبل ، وهو من الحمض ، وفي الصمغ المذكور حلاوة . وذكر أبو زيد الأنصاري أن المغفور يكون في العشر - بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالراء - وفي الثمام - بالثاء المثلثة - والسدر والطلح . ويقال : المغافير جمع مغفار .

وقال الكرماني : وهو نوع من الصمغ يحلب عن بعض الشجر يحل بالماء ويشرب ، وله رائحة كريهة . وقال أبو حنيفة في كتاب النبات : يقال مغثور بالثاء المثلثة موضع الفاء ، وقيل : الميم فيه زائدة . وبه قال الفراء ، والجمهور على أنها أصلية .

قوله ( أكلت مغافير ؟ ) أصله بهمزة الاستفهام فحذفت . قوله ( فدخل ) ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم ( على إحداهما ) ؛ أي إحدى المذكورتين وهما عائشة وحفصة ، ولم يعلم أيتهما كانت قبل ، وبالظن أنها حفصة . قوله ( لا ، بل شربت عسلا ) ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن شيوخه لا ، بل شربت عسلا .

قوله ( ولن أعود له ) ؛ أي للشرب ، وزاد في رواية هشام وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا ، فظهر بهذه الزيادة أن الكفارة في قوله قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ لأجل يمينه - صلى الله عليه وسلم - بقوله وقد حلفت ولم يكن لمجرد التحريم ، وبهذه الزيادة أيضا مناسبة قوله في رواية حجاج بن محمد فنزلت : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ الآية ، وبدون هذه الزيادة لا يظهر لقوله فنزلت معنى يطابق ما قبله . قوله ( إلى : إِنْ تَتُوبَا ؛ أي قرأ من أول السورة إلى هذا الموضع . قوله ( لعائشة وحفصة ) ؛ أي الخطاب لهما في قوله إِنْ تَتُوبَا .

قوله وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلى آخره - من بقية الحديث ، وكذا وقع في رواية مسلم في آخر الحديث وكان المعنى ، وأما المراد بقوله تعالى وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فهو لأجل قوله بل شربت عسلا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث