باب وجوب النفقة على الأهل والعيال
( باب وجوب النفقة على الأهل والعيال ) 90 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح قال : حدثني أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أفضل الصدقة ما ترك غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول . تقول المرأة : إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ، ويقول العبد : أطعمني واستعملني ، ويقول الابن : أطعمني إلى من تدعني ؟ فقالوا : يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا ، هذا من كيس أبي هريرة .
مطابقته للترجمة ظاهرة . وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ذكوان السمان . والحديث أخرجه النسائي في عشرة النساء ، عن محمد بن عبد العزيز .
قوله : " ما ترك غنى " يعني ما لم يجحف بالمعطي ، أي إنها سهل عليه كما في قوله : " ما كان عن ظهر غنى " ، وقيل : معناه ما ساق إلى المعطى غنى ، والأول أوجه . قوله : " واليد العليا خير من اليد السفلى " قد مضى في الزكاة أقوال فيه ، وإن أصحها العليا المعطية والسفلى السائلة ، قوله : " وابدأ بمن تعول " ، أي : ابدأ في الإنفاق بعيالك ، ثم اصرف إلى غيرهم ، قوله : " تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " ، وفي رواية النسائي عن محمد بن عبد العزيز ، عن حفص بن غياث بسند حديث الباب : إما أن تنفق علي . قوله : " ويقول العبد أطعمني واستعملني " ، وفي رواية الإسماعيلي : ويقول خادمك أطعمني وإلا فبعني ، قوله : " إلى من تدعني " ، وفي رواية النسائي والإسماعيلي : إلى من تكلني ، قوله : " من كيس أبي هريرة " قال صاحب التوضيح : أي من قوله ، والتحقيق فيه ما قاله الكرماني .
الكيس بكسر الكاف الوعاء ، وهذا إنكار على السائلين عنه ، يعني : ليس هذا إلا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ففيه نفي يريد به الإثبات ، وإثبات يريد به النفي على سبيل التعكيس ، ويحتمل أن يكون لفظ هذا إشارة إلى الكلام الأخير إدراجا من أبي هريرة وهو تقول : المرأة إلى .. . آخره ، فيكون إثباتا لا إنكارا ، يعني : هذا المقدار من كيسه فهو حقيقة في النفي والإثبات قال : وفي بعضها ، يعني في بعض الروايات بفتح الكاف ، يعني من عقل أبي هريرة وكياسته ،
قال التيمي : أشار البخاري إلى أن بعضه من كلام أبي هريرة ، وهو مدرج في الحديث. وفي ج٢١ / ص١٥هذا الحديث أحكام : الأول : أن حق نفس الرجل يقدم على حق غيره .
الثاني : أن نفقة الولد والزوجة فرض بلا خلاف . الثالث : أن نفقة الخدم واجبة أيضا . الرابع : استدل بقوله : " إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " من قال : يفرق بين الرجل وامرأته إذا أعسر بالنفقة واختارت فراقه ، قال بعضهم : وهو قول جمهور العلماء ، وقال الكوفيون : يلزمها الصبر وتتعلق النفقة بذمته ، واستدل الجمهور بقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ، وأجاب المخالف بأنه لو كان الفراق واجبا لما جاز الإبقاء إذا رضيت ، ورد عليه بأن الاجتماع دل على جواز الإبقاء إذا رضيت ، فبقي ما عداه على عموم النهي ، وبالقياس على الرقيق والحيوان ، فإن من أعسر بالإنفاق عليه أجبر على بيعه ، انتهى .
قلت : الذي قاله الكوفيون هو قول عطاء بن أبي رباح ، وابن شهاب الزهري ، وابن شبرمة ، وأبي سليمان وعمر بن عبد العزيز ، هو المحكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ، وروي عن عبد الوارث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كتب عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى أمراء الأجناد ادعوا فلانا وفلانا ، أناسا قد انقطعوا عن المدينة ورحلوا عنها ، إما أن يرجعوا إلى نسائهم ، وإما أن يبعثوا بنفقة إليهن ، وإما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضى . ولم يتعرض إلى شيء غير ذلك ، وقول هذا القائل ، وأجاب المخالف : هل أراد به أبا حنيفة أم غيره ؟ فإن أراد به أبا حنيفة فما وجه تخصيصه من بين هؤلاء وليس ذلك إلا من أريحة التعصب ؟ وإن أراد به غيره مطلقا كان ينبغي أن يقول : وأجاب المخالفون . ولا يتم استدلالهم بقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ؛ لأن ابن عباس ومجاهدا ومسروقا والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد قالوا هذا في الرجل كان يطلق امرأته ، فإذا قارب انقضاء العدة راجعها ضرارا لئلا تذهب إلى غيره ، ثم يطلقها فتعتد ، فإذا شارفت على انقضاء العدة يطلق ليطول عليها العدة ؛ فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه ، فقال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، أي : بمخالفة أمر الله عز وجل ، فبطل استدلالهم بهذا .
وعموم النهي ليس فيما قالوا ، وإنما هو في الذي ذكر عن ابن عباس ومن معه ، والقياس على الرقيق والحيوان قياس مع الفارق ، فلا يصح بيانه أن الرقيق والحيوان لا يملكان شيئا ، ولا يجد الرقيق من يسلفه ، ولا يصبران على عدم النفقة بخلاف الزوجة ، فإنها تصبر وتستدين على ذمة زوجها ، ولأن التفريق يبطل حقها وإبقاء النكاح يؤخر حقها إلى زمن اليسار عند فقره ، وإلى زمن الإحضار عند غيبته ، والتأخير أهون من الإبطال .