باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون
حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن سعد قال : رأيتني سابع سبعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لنا طعام إلا ورق الحبلة ، أو الحبلة حتى يضع أحدنا ما تضع الشاة ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام خسرت إذا وضل سعيي . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه إشعارا لبيان ما كان - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في قلة من العيش مع القناعة والرضا بما قسم الله عز وجل . وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، وقيس هو ابن أبي حازم ، وسعد هو ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة ، ووقع في التوضيح عن قيس بن سعد ، عن أبيه كأنه توهمه أنه قيس بن سعد بن عبادة ، وهو غلط فاحش ، ووقع في رواية مسلم ، عن قيس سمعت سعد بن أبي وقاص .
والحديث قد مضى في مناقب سعد ، فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن عون ، عن خالد ، عن عبد الله ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : سمعت سعدا .. . إلى آخره ، وفي آخره : وكانوا وشوابه إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - قالوا : لا يحسن يصلي ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : رأيتني ، أي : رأيت نفسي ، قوله : سابع سبعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد به أنه كان قديم الإسلام ، وأنه سابع من أسلم أولا ، ووقع عند أبي خيثمة هؤلاء السبعة وهم : أبو بكر ، وعثمان ، وعلي ، وزيد بن حارثة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، رضي الله تعالى عنهم .
قوله : ما لنا طعام إلا ورق الحبلة أشار به إلى أنهم كانوا في ذلك الوقت في قلة وضيق معيشة ، ولم يكن طعامهم إلا من ورق الحبلة بفتح الحاء وسكون الباء الموحدة ، وهو ثمر السمر يشبه اللوبيا ، وقيل : ثمر العضاه ، وهو شجر له شوك كالطلح والعوسج ، قوله : أو الحبلة شك من الراوي ، وهو بضم الحاء والباء معا ، ولم يقع عند الأصيلي إلا الأول ، والحبلة بفتحتين ورق الكرم . وقال الجوهري : وربما سكن الباء ، قوله : ثم أصبحت بنو أسد قيل : أراد به قبيلة عمر - رضي الله تعالى عنه - ، إذ هو من بني أسد كذا نقله الكرماني ، وهو غير صحيح ، ولكنه معذور ؛ لأنه نقله من كلام ابن بطال حيث قال : وعمر بن الخطاب من بني أسد ، وهذا خلاف الإجماع على أن عمر - رضي الله تعالى عنه - من رهط عدي بن كعب وليسوا من بني أسد . قوله : تعزرني ويروى يعزروني من التعزير بمعنى التأديب ، أي : يؤدبونني على الإسلام ويعلمونني أحكامه ، وذلك أنهم كانوا وشوا به إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - حتى قالوا : لا يحسن يصلي .
وأصل التعزير التأديب ، ولهذا يسمى الضرب دون الحد التعزير ، قوله : خسرت إذًا جواب وجزاء ، أي : إن كنت كما قالوا محتاجا إلى تأديبهم وتعليمهم خسرت حينئذ وضل سعيي فيما تقدم . فإن قلت : ما وجه قول سعد : ما لنا طعام إلا ورق الحبلة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع مما أفاء الله عليه من النضير وفدك قوته وقوته عياله لسنة ، وأنه كان يعطي الأعطية التي لا يذكر مثلها عمن تقدم من الملوك مع كونه بين أرباب الأموال العظام ، كأبي بكر وعثمان وشبههما ، وكذلك قول عائشة : ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال حتى قبض ، وشبهه مما جاء مثل ذلك ؟ قلت : قال الطبري - رحمه الله - : كان ذلك حينا بعد حين ؛ لأن من كان منهم ذا مال كان مستغرقا في نوائب الحقوق ومواساة الضيفان حتى يقل كثيره أو يذهب جميعه ، فغير مستنكر لهم ضيق الحال التي يحتاجون معها إلى الاستسلاف وأكلهم الحبلة ، كما قال سعد - رضي الله تعالى عنه - ، وأما قول عائشة فوجهه أن البر كان قليلا عندهم ، فغير نكير أن يؤثر - صلى الله عليه وسلم - أهل بلده من الشعير والتمر ويكره أن يخص نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه من الغذاء ، وهذا هو الأشبه بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم - ، وأما ما روي من أنه لم يشبع من خبز الشعير ، فإن ذلك لم يكن لعوز ولا لضيق في غالب أحواله ؛ لأن الله تعالى أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها ونقل إليه الخراج من أكثر بلاد العجم ، ولكن بعضه لإيثار نوائب الحق ، وبعضه كراهية منه للشبع وكثرة الأكل . فإن قلت : كيف جاز لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن التواضع ؟ قلت : إذا اضطر المرء إلى التعريف بنفسه حسن قال الله عز وجل حاكيا عن يوسف - عليه السلام - : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ .