باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل
( باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل ) 81 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها " مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه مسلم في الأطعمة عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه النسائي في الوليمة عن محمد بن محمد بن يزيد ، وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة عن ابن أبي عمرو به . قوله : " إذا أكل أحدكم " أي طعاما ، وكذا في رواية مسلم ، قوله : " حتى يلعقها " بفتح الياء من لعق يلعق من باب علم يعلم لعقا ، قوله : " أو يلعقها " بضم الياء وكلمة " أو " ليست للشك وإنما هي للتنويع أي أو يلعقها غيره ، وقال النووي : معناه والله أعلم لا يمسح يده حتى يلعقها هو فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك كزوجة أو ولدا وخادم يحبونه ولا يتقذرونه ، وكذا من كان في معناهم كتلميذ يعتقد البركة بلعقها ، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها ، وقال البيهقي : كلمة أو للشك من الراوي فإن كانا جميعا محفوظين ، فإنما أراد أن يلعقها صغيرا أو من يعلم أنه لا يتقذر بها ، ويحتمل أن يكون أراد أن يلعق إصبعه فمه فيكون بمعنى يلعقها فتكون أو للشك .
والكلام في هذا الباب على أنواع : الأول : أن نفس اللعق مستحب محافظة على تنظيفها ودفعا للكبر ، والأمر فيه محمول على الندب والإرشاد عند الجمهور ، وحمله أهل الظاهر على الوجوب ، وقال الخطابي : قد عاب قوم لعق الأصابع لأن الترفه أفسد عقولهم وغير طباعهم الشبع والتخمة ، وزعموا أن لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر ، أو لم يعلموا أن الذي على أصابعه جزء من الذي أكله فلا يتحاشى منه إلا متكبر ومترفه تارك للسنة . الثاني : أن من الحكمة في لعق الأصابع ما ذكره في حديث أبي هريرة وأخرجه الترمذي قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة " ، وأخرجه مسلم أيضا ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة " يعني فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في الإناء فيلعق يده ويمسح الإناء رجاء حصول البركة ، والمراد بالبركة والله أعلم ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله تعالى وغير ذلك ، وقال النووي : وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والامتناع به . الثالث : أنه ينبغي في لعق الأصابع الابتداء بالوسطى ثم السبابة ثم الإبهام كما جاء في حديث كعب بن عجرة رواه الطبراني في ( الأوسط ) قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل بأصابعه الثلاث قبل أن يمسحها بالإبهام والتي تليها والوسطى ، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث فيلعق الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام ، وكان السبب في ذلك أن الوسطى أكثر الثلاثة تلويثا بالطعام لأنها أعظم الأصابع وأطولها فينزل في الطعام منه أكثر مما ينزل من السبابة ، وينزل من السبابة في الطعام أكثر من الإبهام لطول السبابة على الإبهام ، ويحتمل أن يكون البدء بالوسطى لكونها أول ما ينزل في الطعام لطولها .
الرابع : أن في الحديث : " فلا يمسح يده حتى يلعقها " وهذا ج٢١ / ص٧٧مطلق ، والمراد به الأصابع الثلاث التي أمر بالأكل بها كما في حديث أنس أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث ، وبين الثلاث في حديث كعب بن عجرة المذكور آنفا ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل بهذه الثلاث المذكورة في حديث كعب ، وقال ابن العربي : فإن شاء أحد أن يأكل بالخمس فليأكل فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعرق العظم وينهش اللحم ، ولا يمكن أن يكون ذلك في العادة إلا بالخمس كلها ، وقال شيخنا : فيه نظر لأنه يمكن بالثلاث ، ولئن سلمنا ما قاله فليس هذا أكلا بالأصابع الخمس ، وإنما هو ممسك بالأصابع فقط لا آكل بها ، ولئن سلمنا أنه آكل بها لعدم الإمكان فهو محل الضرورة كمن ليس له يمين فله الأكل بالشمال ، قلت : حاصل هذا أن شيخنا منع استدلال ابن العربي بما ذكره ، والأمر فيه أن السنة أن يأكل بالأصابع الثلاث وإن أكل بالخمس فلا يمنع ولكنه يكون تاركا للسنة إلا عند الضرورة فافهم . الخامس : أنه ورد أيضا استحباب لعق الصحفة أيضا على ما روى الطبراني من حديث العرباض بن سارية قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لعق الصحفة ولعق أصابعه أشبعه الله في الدنيا والآخرة " ،
وروى الترمذي من حديث أبي اليمان قال : حدثتني أم عاصم وكانت أم ولد لسنان بن سلمة قالت : دخل علينا نبيشة الخير ونحن نأكل في قصعة فحدثنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة " وقال : هذا حديث غريب، ونبيشة بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبشين معجمة ابن عبد الله بن عمرو بن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصين بن رابغة ، وقيل : رابغة بن لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الهذلي ، ويقال له نبيشة الخير ، ويقال : الخيل باللام ، وهو ابن عم سلمة بن المحبق . السادس : ما المراد باستغفار القصعة ؟ يحتمل أن الله تعالى يخلق فيها تمييزا أو نطقا تطلب به المغفرة ، وقد ورد في بعض الآثار أنها تقول : آجرك الله كما أجرتني من الشيطان ، ولا مانع من الحقيقة ، ويحتمل أن يكون ذلك مجازا كني به .