باب إذا أكل الكلب
( باب إذا أكل الكلب ) ( وقوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين : الصوائد والكواسب اجترحوا اكتسبوا : تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم إلى قوله سريع الحساب ) وقوله مرفوع عطفا على قوله باب ؛ لأنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قلنا ، وسبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم ، حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير : أن عدي بن حاتم ويزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : يا رسول الله قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت : يَسْأَلُونَكَ الآية . قوله : " قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ " يعني الذبائح الحلال طيبة لهم قاله سعيد بن جبير ، وقال مقاتل بن حيان : الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق ، قوله : " وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ " أي وأحل لكم ما اصطدتموه بما علمتم من الجوارح وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك ، وهذا مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة ، وممن قال ذلك : علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ وهي الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد ، وروى ابن أبي حاتم ، عن خيثمة ، وطاوس ، ومجاهد ، ومكحول ، ويحيى بن أبي كثير : أن الجوارح الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها .
قوله : " مُكَلِّبِينَ " حال من قوله " مِمَّا عَلَّمَكُمُ " وهو جمع مكلب وهو مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك ، وقال بعضهم : مكلبين مؤدبين ، فليس هو تفعيل من الكلب الحيوان المعروف إنما هو من الكلب بفتح اللام وهو الحرص ، انتهى . قلت : هذا تركيب فاسد ومعنى غير صحيح ودعوى اشتقاق من غير أصله ، ولم يقل به أحد بل الذي يقال هنا ما قاله الزمخشري الذي هو المرجع إليه في التفسير ، وهو أنه قال : واشتقاقه أي اشتقاق مكلبين من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه . فإن قلت : قال الزمخشري أيضا أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال : هو كلب بكذا إذا كان ضاريا به ، قلت : نحن ما ننكر أن يكون اشتقاق مكلبين من غير الكلب الذي هو الحيوان ، وإنما أنكرنا على هذا القائل قوله وليس هو تفعيل من الكلب وإنما هو الكلب بفتح اللام ، فالذي له أدنى مسكة من علم التصريف لا يقول بهذه العبارة ، وأيضا فقد فسر الكلب بفتح اللام بمعنى الحرص ، وليس كذلك معناه هاهنا ، وإنما معناه مثل ما قاله الزمخشري وهو معنى الضراوة .
قوله : " الصوائد " جمع صائدة والكواسب جمع كاسبة وهو صفة لقوله الجوارح ، وقال بعضهم : صفة محذوف تقديره الكلاب الصوائد ، قلت : هذا أيضا فيه ما فيه بل هي صفة للجوارح كما قلنا ، وقوله الصوائد رواية الكشميهني ولغيره الكواسب ، قوله الصوائد والكواسب ، وقوله : " اجترحوا " اكتسبوا ليس من الآية الكريمة بل هو معترض بين قوله مكلبين وبين قوله تعلمونهن ، فذكر الصوائد والكواسب تفسيرا للجوارح ، وذكر اجترحوا بمعنى اكتسبوا استطرادا لبيان أن ج٢١ / ص١٠٠الاجتراح يطلق على الاكتساب ، قوله : " تُعَلِّمُونَهُنَّ " أي الجوارح وتعليمهن أنه إذا أرسل استرسل ، وإذا أشلاه استشلى ، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه ، ولهذا قال : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( وقال ابن عباس : إن أكل الكلب فقد أفسده إنما أمسك على نفسه والله يقول تعلمونهن مما علمكم الله فتضرب وتعلم حتى تترك ) ( وكرهه ابن عمر رضي الله عنهما ) ( وقال عطاء : إن شرب الدم ولم يأكل فكل ) أي قال عطاء بن أبي رباح : إن شرب الكلب دم الصيد ولم يأكل من لحمه فكل ، يعني كل هذا الصيد ، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن حفص بن غياث ، عن ابن جريج عنه ، وذكر عن عدي بن أبي حاتم إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يتعلم ما علمته ، وعن الحسن إن أكل فكل فإن شرب فكل ، وزعم ابن حزم أن الجارح إذا شرب من دم الصيد لم يضر ذلك شيئا لأن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم علينا أكل ما قتل إذا أكل ولم يحرم إذا ولغ ، قال القرطبي : وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر وسلمان رضي الله عنهم قالوا : إذا أكل الجارح يؤكل ما أكل وهو قول مالك ، وقال ابن بطال : وهو قول علي بن أبي طالب ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن بن أبي الحسن ، ومحمد بن شهاب ، وربيعة والليث ، وقال أبو حنيفة : ومحمد بن إدريس ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق : إن أكل لا يؤكل ، وقال القرطبي : وهو قول الجمهور من السلف وغيرهم منهم : ابن عباس ، وأبو هريرة ، وابن شهاب في رواية ، والشعبي ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، وقتادة .
16 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن بيان ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : إنا قوم نصيد بهذه الكلاب فقال : إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليكم ، وإن قتلن إلا أن يأكل الكلب فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه ، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وبيان بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف ابن بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة الأحمسي بالمهملتين والشعبي هو عامر بن شراحيل . والحديث قد مر بوجوه مختلفة وطرق عديدة .
قوله : " إذا أرسلت " فيه إشعار بأنه إذا استرسل بنفسه فلا يؤكل صيده وهو قول الجمهور إلا ما حكي عن الأصم من إباحته ، وإذا غصب كلبا واصطاد هل يكون للمالك أو للغاصب فقيل للمالك : لأن الصيد بكلبه ، وقيل للغاصب لأن الكلب يتملك .