باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها
حدثنا حبان بن موسى ، أخبرنا عبد الله قال : أخبرني يونس ، عن الزهري قال : حدثني أبو عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد يوم الأضحى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فصلى قبل الخطبة ، ثم خطب الناس ، فقال : يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم عن صيام هذين العيدين أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم ، وأما الآخر فيوم تأكلون نسككم . قال أبو عبيد : ثم شهدت مع عثمان بن عفان ، فكان ذلك يوم الجمعة ، فصلى قبل الخطبة ثم خطب ، فقال : يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان ، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر ، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له . قال أبو عبيد : ثم شهدته مع علي بن أبي طالب ، فصلى قبل الخطبة ، ثم خطب الناس ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث .
مطابقته للترجمة في أثر علي رضي الله تعالى عنه في آخر الحديث ، وذلك لأن الترجمة قوله ( باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي ) وهو يشمل ما يؤكل منها في ثلاثة أيام وما يؤكل في أكثر من ذلك ، ولكن في أثر علي بين أنه لا يجوز فوق ثلاثة أيام كما ذكرنا في أول الباب . وحبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ، ابن موسى أبو محمد السلمي المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وأبو عبيد بضم العين وفتح الباء الموحدة ، واسمه سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف ، وينسب أيضا إلى عبد الرحمن بن عوف ، قال يحيى بن بكير : مات سنة ثمان وتسعين . قوله ( نسككم ) بضمتين ، أي أضحيتكم .
قوله ( قال أبو عبيد ) هو موصول بالسند المذكور . قوله ( ثم شهدت مع عثمان ) أي : ثم شهدت العيد مع عثمان ، وكذا في بعض النسخ لفظ العيد مذكور ، ولكنه لم يبين أي عيد ، قال بعضهم : والظاهر أنه عيد الأضحى الذي قدمه في حديثه عن عمر رضي الله تعالى عنه ، فتكون اللام فيه للعهد . قلت : يحتمل أحد العيدين ، ولا سيما في الرواية التي لم يذكر فيها لفظ العيد .
قوله ( فكان ذلك ) أي : فكان يوم العيد ذاك يوم الجمعة . قوله ( فيه عيدان ) يعني عيد الجمعة ويوم العيد حقيقة ، وسمي يوم الجمعة عيدا ؛ لأنه زمان اجتماع المسلمين في يوم عظيم لإظهار شعائر الشريعة كيوم العيد ، والإطلاق على سبيل التشبيه . قوله ( من أهل العوالي ) وهو جمع العالية ، وهي قرى بقرب المدينة من جهة الشرق ، وأقربها من المدينة على أربعة أميال أو ثلاثة ، وأبعدها ثمانية .
قوله ( فلينتظر ) أي : فليتأخر إلى أن يصلي الجمعة . قوله ( أن يرجع ) أي : إلى منزله ، فقد أذنت له بالرجوع ، وبه استدل أحمد على سقوط الجمعة على من صلى العيد إذا وافق العيد يوم الجمعة ، وبه قال مالك مرة ، وأجيب بأنهم إنما كانوا يأتون العيد والجمعة من مواضع لا يجب عليهم المجيء ، فأخبر بما لهم في ذلك . قوله ( ثم شهدت مع علي رضي الله تعالى عنه ) أي : ثم شهدت العيد مع علي ، والمراد به عيد الأضحى لدلالة السياق عليه ، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي عبيد ، أنه سمع عليا رضي الله تعالى عنه يقول يوم الأضحى .
قوله ( فوق ثلاث ) زاد عبد الرزاق في روايته : فلا تأكلوها بعدها . قال القرطبي : اختلف في أول الثلاث التي كان الادخار فيها جائزا ، فقيل : أولها يوم النحر ، فمن ضحى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده ، ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة ، وقيل : أولها يوم يضحي فيه ، فلو ضحى في آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثا بعدها ، ويحتمل أن يؤخذ من قوله ( فوق ثلاث ) أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث ، وتعتبر الليلة التي تليه وما بعدها . والجواب عن أثر علي رضي الله تعالى عنه أنه محمول على أن السنة التي خطب فيها علي كان بالناس فيها جهد كما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك أجاب ابن حزم ، فقال : إنما خطب علي رضي الله تعالى عنه بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان حوصر فيه ، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة فأصابهم الجهد ، فلذلك قال علي ما قال ، ويؤيد صحة هذا أن الطحاوي أخرج من طريق الليث ، عن عقيل ، عن الزهري في هذا الحديث ، ولفظه : صليت مع علي العيد ، وعثمان محصور .
وعن الشافعي : لعل عليا لم يبلغه النسخ ، والنهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخ في كل حال ، وقال أبو عمر : لا خلاف فيما علمته بين العلماء في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، وأن النهي عن ذلك منسوخ . وأخرج الطحاوي أحاديث النسخ عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، منهم علي بن أبي طالب قال : حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو معمر قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثني علي بن زيد قال : حدثني النابغة بن مخارق بن سليم قال : حدثني أبي أن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تؤخروها فوق ثلاثة أيام ، فادخروها ما بدا لكم . وأخرجه أحمد في مسنده من حديث ربيعة بن النابغة ، عن أبيه ، عن علي رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور . .
الحديث ، وفي آخره : ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تحبسوها بعد ثلاث ، فاحبسوا ما بدا لكم . قال الذهبي : ربيعة بن النابغة ، عن أبيه ، عن علي في الأضحية - لم يصح ، وقال ابن حبان : ربيعة روى عن أبيه ، عن علي ، وعداده في أهل الكوفة ، وهو ثقة ، ثم وفق الطحاوي بين الروايتين المتنافيتين بما ذكرناه الآن بقولنا ، والجواب عن أثر علي رضي الله عنه .