حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب

حدثنا أحمد بن أبي رجاء ، حدثنا يحيى ، عن أبي حيان التيمي ، عن الشعبي ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة أشياء : العنب ، والتمر ، والحنطة ، والشعير ، والعسل ، والخمر ما خامر العقل ، وثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا . قال : قلت : يابا عمرو ، فشيء يصنع بالسند من الرز ؟ قال : ذاك لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، أو قال : على عهد عمر . وقال حجاج ، عن حماد ، عن أبي حيان مكان العنب الزبيب .

مطابقته للترجمة في قوله ( والخمر ما خامر العقل ) ، وأحمد بن أبي رجاء بالجيم اسمه عبد الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي ، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وأبو حيان بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الياء آخر الحروف ، وبالنون ، واسمه يحيى بن سعيد التيمي ، والشعبي عامر بن شراحيل . والحديث قد مضى في تفسير سورة المائدة ، فإنه أخرجه هناك إلى قوله ( والخمر ما خامر العقل ) ، وأخرجه أيضا في الاعتصام ، وأخرجه بقية الجماعة غير ابن ماجه ، ومضى الكلام فيه . قوله ( قد نزل تحريم الخمر ) أراد به عمر رضي الله تعالى عنه نزول الآية المذكورة في أول كتاب الأشربة ، وهي آية المائدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية ، وقال بعضهم : أراد عمر رضي الله تعالى عنه التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب بل يتناول المتخذ من غيرها .

قلت : نعم يتناول غير المتخذ من العنب من حيث التشبيه لا من حيث الحقيقة . قوله ( وهي من خمسة أشياء ) جملة حالية لا تقتضي الحصر ، ولا ينبغي إطلاق الخمرية على نبيذ الذرة والأرز وغيرهما ، وقال الخطابي : إنما عد عمر رضي الله عنه هذه الأنواع الخمسة لاشتهار أسمائها في زمانه ، ولم يكن يوجد بالمدينة الوجود العام ، فإن الحنطة كانت عزيزة ، والعسل مثلها أو أعز ، فعد عمر رضي الله تعالى عنه ما عرف منها ، وجعل ما في معناها مما يتخذ من الأرز وغيره خمرٌ بمثابتها إن كان مما يخامر العقل ويسكر كإسكارها . قوله ( والخمر ما خامر العقل ) أي : غطاه وخالطه ، ولم يتركه على حاله ، وهو من مجاز التشبيه ، وقال الكرماني : فيه دليل على إحداث الاسم بالقياس ، وأخذه من طريق الاشتقاق .

قلت : هذا الباب فيه خلاف ، وقيل : هذا تعريف بحسب اللغة لا بحسب العرف ، فإنه بحسبه ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة . قلت : لا نسلم أن هذا التعريف بحسب اللغة بل هو تعريف بحسب العرف ، وهذا القائل عكس الأمر فيه ؛ لأن الأصل في خمر العنب رعاية المعنى اللغوي ، وفي العرف لا يستعمل في غيره إلا بطريق المجاز . قوله ( وثلاث ) قال بعضهم : هي صفة موصوف ، أي : أمور أو أحكام .

قلت : الموجه أن يقال : أي ثلاث قضايا أو ثلاث مسائل . قوله ( وددت ) أي تمنيت ، وإنما تمنى ذلك لأنه أبعد من محذور الاجتهاد فيه ، وهو الخطأ فيه على تقدير وقوعه ، ولو كان مأجورا عليه ، فإنه يفوته بذلك الأجر الثاني ، والعمل بالنص إصابة محضة . قوله ( لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا ) أي : حتى يبين لنا ، وفي رواية مسلم : عهدا ننتهي إليه .

قوله ( الجد ) أي : الأول من الثلاث الجد ، أي مسألة الجد في أنه يحجب الأخ أو ينحجب به أو يقاسمه ، وفي قدر ما يرثه ؛ لأن الصحابة اختلفوا فيه اختلافا كثيرا ، فروي عن عبيدة أنه قال : حفظت عن عمر رضي الله تعالى عنه في الجد سبعين قضية كلها يخالف بعضها بعضا ، وعن عمر أنه جمع الصحابة ليجتمعوا في الجد على قول ، فسقطت حية من السقف فتفرقوا ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : أبى الله إلا أن يختلفوا في الجد ، وقال علي رضي الله تعالى عنه : من أراد أن يفتح جراثيم جهنم فليقض في الجد . يريد أصولها ، والجراثيم جمع جرثومة وهي الأصل ، وقال أبو بكر ، وابن الزبير ، وابن عباس ، وعائشة ، وأبو موسى رضي الله عنهم : هو يحجب الإخوة ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال زيد : هو كأحد الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة ، فإذا أنقصته أعطي الثلث ، وقسموا للإخوة ما بقي ، وبه قال مالك ، وأبو يوسف ، والشافعي ، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه : هو أخ معهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث . قوله ( والكلالة ) أي : والثاني من الثلاث مسألة الكلالة بفتح الكاف ، وتخفيف اللام ، وهو من لا ولد له ولا والد ، قاله أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وزيد ، وابن مسعود ، والمدنيون ، والبصريون ، والكوفيون ، وروي عن ابن عباس : هو من لا ولد له ، وإن كان له والد ، وقال شيخنا أمين الدين في شرحه للسراجية : الكلالة تطلق على ثلاثة : على من لم يخلف ولدا ولا والدا ، وعلى من ليس يولد ولا والد من المخلفين ، وعلى القرابة من جهة الولد والوالد .

قال : وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال ، وهو ذهاب القوة من الإعياء ، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد ؛ لأنها بالإضافة إلى قرابتهما ضعيفة ، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث ، فبمعنى ذي كلالة كما يقال : فلان من قرابتي ، أي : من ذي قرابتي . قوله ( وأبواب من أبواب الربا ) الثالث من الثلاث ، وأبواب الربا كثيرة غير محصورة حتى قال بعضهم : لا ربا إلا في النسيئة ، وقول عمر رضي الله عنه : وأبواب - يدل على أنه كان عنده نص في بعض أبوابه دون بعض ، ولهذا تمنى معرفة البعض . قوله ( يابا عمرو ) أصله يا أبا عمرو ، حذفت الألف للتخفيف ، وهو كنية الشعبي ، والقائل بهذا أبو حيان التيمي .

قوله ( وشيء ) مبتدأ تخصص بالصفة ، وهو قوله ( يصنع ) وخبره محذوف تقديره : وشيء يصنع بالسند من الأرز ما حكمه ، والسند بكسر السين المهملة ، وسكون النون ، وبالدال المهملة ، وهي بلاد بالقرب من الهند . قوله ( من الرز ) ويروى من الأرز ، قال الجوهري : الأرز حب ، وفيه ست لغات : أرز ، وأرز تتبع الضمة الضمة ، وأرز وأرز مثل رسل ورسل ، ورز ، ورنز ، وهي لعبد القيس . قلت : وفيه لغة سابعة أرز بفتح الهمزة مع تخفيف الزاي كعضد .

قوله ( ذاك ) أي : الذي يصنع من الرز لم يكن موجودا في المدينة أو معروفا على زمن النبي صلى الله عليه وسلم . قوله ( أو قال ) شك من الراوي . قوله ( وقال حجاج ، عن حماد ) أي : حجاج بن منهال ، وهو شيخ البخاري ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي حيان المذكور في الحديث .

( مكان العنب الزبيب ) يعني روى هذا الحديث عن أبي حيان بهذا السند والمتن ، فذكر الزبيب عوض العنب ، وذكر البخاري هذا عن الحجاج مذاكرة ، ووصله علي بن عبد العزيز في مسنده ، عن حجاج بن منهال كذلك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث