باب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي
حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول ، عن مجاهد ، عن أبي عياض ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأسقية ، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : ليس كل الناس يجد سقاء ، فرخص لهم في الجر غير المزفت . مطابقته للترجمة في قوله ( فرخص لهم ) ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وأبو عياض بكسر العين المهملة ، وتخفيف الياء آخر الحروف ، وبعد الألف ضاد معجمة ، واختلف في اسمه ، فقال النسائي في الكنى : أبو عياض عمرو بن الأسود العبسي ، وقيل : قيس بن ثعلبة ، وقال ابن المديني : إن لم يكن اسم أبي عياض قيس بن ثعلبة فلا أدري ، وقال الكرماني : اسمه عمرو ، ويقال : عمير بن الأسود العنبسي بالنون بين المهملتين الزاهد ، وروى أحمد في الزهد أن عمر أثنى على أبي عياض ، وذكره أبو موسى في ذيل الصحابة ، وعزاه لابن أبي عاصم ، وكأنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن لم يثبت له صحبة ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة : عمرو بن الأسود العنسي أدرك الجاهلية ، وروى عن عمر ، وسكن داريا ، ويقال له عمير ، وقد عمر دهرا طويلا ، ثم قال : عمرو بن الأسود ذكره بعضهم في الصحابة ولعله الذي قبله . وقال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث ، وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات ، وقيل : إذا ثبت هذا فالراجح أن الذي روى عنه مجاهد عمرو بن الأسود ، وأنه شامي ، وأما قيس بن ثعلبة فهو أبو عياض آخر ، وهو كوفي ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وقال : إنه يروي عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وغيرهم ، روى عنه أهل الكوفة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص .
هكذا هو في جميع نسخ البخاري ، ووقع في بعض نسخ مسلم : عبد الله بن عمر بضم العين ، وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الجياني . والحديث أخرجه مسلم في الأشربة أيضا ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وابن أبي عمر ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن محمد بن جعفر ، وغيره ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الوليمة ، عن إبراهيم بن سعيد مختصرا : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أرخص في الجر غير المزفت . قوله ( عن الأسقية ) قال الكرماني : السياق يقتضي أن يقال : إلا عن الأسقية ، بزيادة إلا على سبيل الاستثناء ، أي : نهى عن الانتباذ إلا عن الانتباذ في الأسقية ، وقال : يحتمل أن يكون معناه : لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الأنبذة عن الجرار بسبب الأسقية ، وعن جهتها كقوله : يرمون عن أكل وعن شرب أي يسمنون بسبب الأكل والشرب ، ويتباهون في السمن به ، وقال الزمخشري في مثله في قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا أي بسببها ، وقال الحميدي : ولعله نقص منه عند الرواية ، وكان أصله : نهى عن النبيذ إلا في الأسقية .
وكذا في رواية عبد الله بن محمد : عن الأوعية ، وقال عياض : ذكر الأسقية وهم من الراوي ، وإنما هو عن الأوعية ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه قط عن الأسقية ، وإنما نهى عن الظروف . قلت : الأسقية جمع سقاء ، وهو ظرف الماء من الجلد ، وقال ابن السكيت : السقاء يكون للبن والماء ، والوطب للبن خاصة ، والنحي للسمن ، والقربة للماء . قلت : لا وهم هنا ؛ لأن سفيان كان يرى استواء اللفظين ، أعني الأوعية والأسقية ، فحدث بأحدهما مرة ، وبالأخرى مرة ، ألا ترى أن البخاري لم يعد هذا وهما خصوصا على قول من يرى جواز القياس في اللغة لا اعتراض أصلا هاهنا ، فافهم .
قوله ( قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ) قيل : القائل بذلك أعرابي . قوله ( فرخص ) وفي رواية : فأرخص ، وهي لغة ، يقال : رخص وأرخص ، وفي رواية ابن أبي شيبة : وأذن لهم في شيء منه . قوله ( في الجر ) بفتح الجيم وتشديد الراء ، وهو جمع جرة ، وهي الإناء المعمول من الفخار ، وإنما قال غير المزفت ؛ لأن المزفت أسرع في الشدة والتخمير ، والمزفت المطلي بالزفت .