حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه

( باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه ) أي هذا باب في بيان حكم لبس الحرير . وفي بيان حكم افتراشه . قوله : " للرجال " يتعلق بالاثنين جميعا ، وهو قيد يُخرج النساء .

قوله : " وقدر " أي في بيان قدر ما يجوز استعماله للرجال . قوله : " منه " أي من الحرير ، ولم يذكر في ( شرح ابن بطال ) زيادة افتراشه ؛ لأنه ترجم للافتراش مستقلا كما سيأتي بعد أبواب . والحرير معروف ، وهو عربي ؛ وسمي بذلك لخلوصه ، يقال لكل خالص : محرر ، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره .

وقيل : هو فارسي معرب . 45 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا قتادة قال : سمعت أبا عثمان النهدي قال : أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان : أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير إلا هكذا ، وأشار بإصبعيه اللتي تليان الإبهام ، قال : فيما علمنا أنه يعني الأعلام . مطابقته للترجمة ظاهرة .

وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بفتح النون وسكون الهاء . وعتبة - بضم العين المهملة ج٢٢ / ص٩وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة - ابن فرقد - بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة - السلمي ، أبو عبد الله ، قال أبو عمر : له صحبة ورؤية ، وكان أميرا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على بعض فتوحات العراق . وروى شعبة عن حصين ، عن امرأة عتبة بن فرقد أن عتبة غزا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غزوتين .

والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أحمد بن يونس ، وعن مسدد ، وعن الحسن بن عمر في هذا الباب ، عن كلهم . وأخرجه مسلم أيضا في اللباس ، عن أحمد بن يونس ، وعن جماعة آخرين . وأخرجه أبو داود فيه ، عن موسى بن إسماعيل .

وأخرجه النسائي في الزينة ، عن إسحاق بن إبراهيم وغيره . وأخرجه ابن ماجه في الجهاد ، وفي اللباس ، عن أبي بكر بن أبي شيبة . وأذربيجان هو الإقليم المعروف ، وقال الكرماني : ما وراء العراق .

قلت : ليس كذلك ، بل العراق جنوبيها عند ظهر حلوان وشيء من حدود الجزيرة ، وشماليها جبال العقيق ، وغربيها حدود بلاد الروم وشيء من الجزيرة ، وشرقيها بلاد الجيل ، وتمامه بلاد الديلم ، وهي اسم لبلاد تبريز ، وتبريز أجل مدنها . وهي بفتح الألف المقصورة وسكون الذال المعجمة وكسر الراء والباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الجيم ثم ألف ونون . وقال الكرماني : وأهلها يقولون بفتح الهمزة والمد وفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الموحدة وبالألف وبالجيم والألف والنون .

وضبطه المحدثون بوجهين ؛ بفتح الهمزة بغير المد وإسكان المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتانية ، وبمد الهمزة وفتح المعجمة . قلت : العمدة في ذلك على ضبط أهلها . وقال النووي : هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على البخاري ، وقال : لم يسمعه أبو عثمان من عمر رضي الله عنه ، بل أخبر عن كتابه ، وهذا الاستدراك باطل ؛ فإن الصحيح جواز العمل بالكتاب وروايته عنه ، وذلك معدود عندهم في المتصل ، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكتب إلى أمرائه وعماله ويفعلون ما فيها ، وكتب عمر إلى عتبة بن فرقد وفي الجيش خلائق من الصحابة ، فدل على حصول الاتفاق منهم ، وأبو عثمان هذا أسلم على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصدق إليه ، ولم يلقه .

وروى عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن عباس وعائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم . قوله : " نهى عن الحرير " أي لبس الحرير . قوله : " وأشار " أي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

قوله : " اللتين تليان الإبهام " يعني السبابة والوسطى ، وصرح بذلك في رواية عاصم . قوله : " قال فيما علمنا " أي قال أبو عثمان : حصل في علمنا أنه يريد بالمستثنى الأعلام - بفتح الهمزة جمع علم - وهو ما يجوزه الفقهاء من التطريف والتطريز ونحوهما ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي : قال أبو عثمان : فيما عتمنا أنه يعني الأعلام . وعتمنا بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق ، يقال : عتم إذا أبطأ وتأخر ، يعني ما أبطأنا في معرفة أنه أراد به الأعلام التي في الثياب .

واختلفوا في الحكمة في تحريم الحرير على الرجل ، فقيل : السرف . وقيل : الخيلاء . وقيل : للتشبه بالنساء ، وحكى ابن دقيق العيد عن بعضهم أن تعليل التحريم التشبه بالكفار ، ويدل عليه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث : " هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " وقال ابن العربي : والذي يصح من ذلك ما هو فيه السرف ، وقال شيخنا : السرف منهي عنه في حق الرجال والنساء ، وإنما هو من زينة النساء ، وقد أذن للنساء في التزين ، ونهى الرجال عن التشبه بهن ، ولعن الشارع الرجال المتشبهين بالنساء ، وهذا الحديث حجة للجمهور بأن الحرير حرام على الرجال ، وقال النووي : الإجماع انعقد على ذلك .

وحكى القاضي أبو بكر بن العربي في المسألة عشرة أقوال : الأول : أنه حرام على الرجال والنساء ، وهو قول عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما . الثاني : أنه حلال للجميع . الثالث : حرام إلا في الحرب .

الرابع : أنه حرام إلا في السفر . الخامس : أنه حرام إلا في المرض . السادس : أنه حرام إلا في الغزو .

السابع : أنه حرام إلا في العلم . الثامن : أنه حرام في الأعلى دون الأسفل ، أي افتراشه . التاسع : أنه حرام وإن خلط بغيره .

العاشر : أنه حرام إلا في الصلاة عند عدم غيره . وفيه حجة على إباحة قدر الإصبعين في الأعلام ، ولكن وقع عند أبي داود من طريق حماد بن سلمة ، عن عاصم الأحول في هذا الحديث أن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا ، إصبعين وثلاثة وأربعة . وروى مسلم من حديث سويد بن غفلة - بفتح الغين المعجمة ج٢٢ / ص١٠والفاء واللام الخفيفتين – " أن عمر رضي الله تعالى عنه خطب ، فقال : نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثا أو أربعا " وكلمة أو هنا للتنويع ، والتخيير .

وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ : " إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا وهكذا وهكذا " يعني إصبعين وثلاثا وأربعا ، وقال شيخنا : في حديث عمر رضي الله تعالى عنه حجة لما قاله أصحابنا من أنه لا يرخص في التطريز ، والعلم في الثوب إذا زاد على أربعة أصابع ، وأنه تجوز الأربعة فما دونها . وممن ذكره من أصحابنا البغوي في ( التهذيب ) وتبعه الرافعي ، والنووي . انتهى .

وذكر الزاهدي من أصحابنا الحنفية أن العمامة إذا كانت طرتها قدر أربع أصابع من إبريسم بأصابع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وذلك قيس شبرنا يرخص فيه ، والأصابع لا مضمومة كل الضم ، ولا منشورة كل النشر . وقيل : أربع أصابع كما هي على هيئتها . وقيل : أربع أصابع منشورة .

وقيل : التحرز عن مقدار المنشورة أولى . والعلم في مواضع قال بعضهم : يجمع ، وقيل : لا يجمع . وإذا كان نظره إلى الثلج يضره فلا بأس أن يشد على عينيه خمارا أسود من إبريسم ، قال : وفي العين الرمدة أولى .

وقيل : لا يجوز ، وعن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لا بأس بالعلم من الفضة في العمامة قدر أربع أصابع ويكره من الذهب . وقيل : لا يكره ، والذهب المنسوج في العلم كذلك ، وعن محمد لا يجوز . وفي ( جامع مختصر ) الشيخ أبي محمد قيل لمالك : ملاحف أعلامها حرير قدر إصبعين ؟ قال : لا أحبه ، وما أراه حراما .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث