باب الجلوس على الحصير ونحوه
( باب الجلوس على الحصير ، ونحوه ) 79 - حدثني محمد بن أبي بكر ، حدثنا معتمر ، عن عبيد الله ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي عليه ، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه .
فجعل الناس يثوبون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيصلون بصلاته حتى كثروا ، فأقبل ، فقال : يا أيها الناس ، خذوا من الأعمال ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى ما دام وإن قل . مطابقته للترجمة في قوله : " فيجلس عليه " أي على الحصير . ومحمد بن أبي بكر هو المقدمي .
ومعتمر هو ابن سليمان . وعبيد الله هو ابن عمر العمري . وسعيد هو المقبري .
وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهؤلاء الثلاثة من التابعين المدنيين . والحديث مضى في الصلاة في باب صلاة اليل ، عن إبراهيم بن المنذر ، ومضى في الإيمان في باب أحب الدين إلى الله من غير هذا الوجه . قوله : " يحتجر " أي يتخذ حجرة لنفسه ، يقال : احتجر الأرض إذا ضرب عليها ما يمنعها به عن غيره .
وفي رواية الكشميهني " يحتجز " بزاي في آخره . قوله : " يثوبون " بالثاء المثلثة ، أي يجتمعون ، قاله الكرماني ، والأحسن أن يقال يرجعون ؛ لأنه من ثاب إذا رجع . قوله : " فأقبل " أي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قوله : " لا يمل " من الملال ، وهو كناية عن عدم القبول ، والمعنى فإن الله يقبل أعمالكم حتى تملوا ؛ فإنه لا يقبل ما يصدر منكم على سبيل الملالة ، وأطلق الملال على طريق المشاكلة ، وقال الخطابي : هو كناية عن الترك ، أي لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل ، وهذا أحسن من الأول . قوله : " ما دام " أي دواما عرفيا ؛ إذ حقيقة الدوام - وهو شمول جميع الأزمنة - غير مقدور ، ووقع في رواية الكشهميهني ما داوم . فإن قلت : يعارض حديث الباب ما رواه ابن أبي شيبة من طريق شريح بن هانئ أنه سأل عائشة : أكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي على الحصير ، والله يقول : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ؟ فقالت : لم يكن يصلي على الحصير .
قلت : هذا ضعيف ، لا يقاوم ما في الصحيح ، وأيضا يمكن الجمع بأن يحمل النفي على المداومة ، وقال بعضهم : لكن يخدش فيه ما ذكره شريح من الآية . قلت : لا خدش فيه أصلا ؛ لأن معنى الآية حصيرا ، أي محبسا ، يقال للسجن : محصر وحصير .