باب الخضاب
( باب الخضاب ) 114 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الزهري ، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن اليهود والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فخالفوهم " لأن مخالفتهم بالخضاب .
والحميدي قد تكرر ذكره ، وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى ، منسوب إلى حميد أحد أجداده . وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري محمد بن مسلم ، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف ، وسليمان بن يسار ضد اليمين . والحديث أخرجه مسلم في اللباس ، عن يحيى بن يحيى وغيره .
وأخرجه أبو داود ، عن مسدد . وأخرجه النسائي في الزينة ، عن إسحاق بن إبراهيم وغيره . وأخرجه ابن ماجه في اللباس ، عن أبي بكر بن أبي شيبة .
قوله : " فخالفوهم " يعني بالصبغ . وفي رواية مسلم فخالفوا عليهم واصبغوا . قيل : ثبت أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يوافق أهل الكتاب ما لم ينـزل عليه شيء بخلافه ، ولهذا قيل : شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقض الله بالإنكار .
وأجيب بأنه كان ذلك في أول الإسلام ائتلافا لهم ومخالفة لعبدة الأوثان ، فلما أغنى الله عن ذلك وأظهر الإسلام على الدين كله ، أحب المخالفة ، وقال ابن أبي عاصم : قوله : فخالفوهم إباحة منه أن يغير الشيب بكل ما شاء المغير له إذ لم يتضمن قوله فخالفوهم أن اصبغوا بكذا وكذا دون كذا وكذا . وروي من حديث الأجلح ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبي الأسود الدؤلي ، عن أبي ذر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء ، والكتم . وفي رواية إنه أفضل ، وعن ابن عباس وأنس ، وعبد الله بن بريدة ، عن أبيه مثله ، ومن حديث الضحاك بن حمزة ، عن غيلان بن جامع وإياد بن لقيط ، عن أبي رمثة قال : رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وله شعر مخضوب بالحناء ، والكتم .
وروى أحمد بسند حسن ، عن أبي أمامة قال : خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم ، فقال : يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب .وروى ابن أبي عاصم من حديث هشام ، عن أبيه ، عن الزبير بن العوام ، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : غيروا الشيب ، ولا تشبهوا باليهود . ورواه الأوزاعي قال اخضبوا ؛ فإن اليهود والنصارى لا يخضبون .
والكلام في هذا الباب على نوعين : الأول : في تغيير الشيب واختلفوا فيه فروى شعبة ، عن الركين بن الربيع قال : سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكره تغيير الشيب . وروى الطبراني من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ، إلا أن ينتفها أو يخضبها ، وعن ابن مسعود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكره خصالا فذكر منها تغيير الشيب ، وقد غير جماعة من الصحابة والتابعين الشيب ، فروي عن قيس بن أبي حازم قال : كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخرج إلينا ، وكأن لحيته ضرام العرفج من الحناء والكتم . وأخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : اختضب أبو بكر بالحناء والكتم ، واختضب عمر رضي الله تعالى عنه بالحناء بحتا - بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبالتاء المثناة من فوق - أي صرفا خالصا ، وكان الشعبي وابن أبي مليكة يختضبان به وممن كان يصبغ بالصفرة علي وابن عمر والمغيرة وجرير البجلي وأبو هريرة وعطاء وأبو وائل والحسن وطاوس وسعيد بن المسيب .
وقال المحب الطبري : والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتغييره والنهيِ عنه صحاح ، ولكن بعضها عام ، وبعضها خاص ، فقوله : خالفوا اليهود وغيروا الشيب المراد منه الخصوص ، أي غيروا الشيب الذي هو نظير شيبة أبي قحافة . وأما من كان أشمط فهو الذي أمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا يغيره ، وقال : ج٢٢ / ص٥١من شاب شيبة الحديث ؛ لأنه لا يجوز أن يكون من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - قول متضاد ، ولا نسخ ، فتعين الجمع ، فمن غيره من الصحابة فمحمول على الأول ، ومن لم يغيره فعلى الثاني مع أن تغييره ندب لا فرض ، أو كان النهي نهي كراهة لا تحريم لإجماع سلف الأمة وخلفها على ذلك ، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب ، والطحاوي رحمه الله مال إلى النسخ بحديث الباب ، وقال ابن العربي : وإنما نهى عن النتف دون الخضب ؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب ؛ فإنه لا يغير الخلقة على الناظر ونقل عن أحمد أنه يجب ، وعنه : يجب ولو مرة ، وعنه : لا أحب لأحد أن يترك الخضب ويتشبه بأهل الكتاب . النوع الثاني : فيما يصبغ به ، واختلف فيه ، فالجمهور على أن الخضاب بالحمرة والصفرة دون السواد ؛ لما روي فيه من الأخبار المشتملة على الوعيد ، فروى عبد الكريم ، عن ابن جبير ، عن ابن عباس يرفعه : يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة .
وروى المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من خضب بالسواد لم ينظر الله إليه . وروى الطبراني ، عن جنادة ، عن أبي الدرداء يرفعه : من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة . وروى عن أنس يرفعه : غيروا ، ولا تغيروا بالسواد .
وذكر ابن أبي العاصم بأسانيد أن حسنا وحسينا رضي الله تعالى عنهما كانا يختضبان به ، أي بالسواد ، وكذلك ابن شهاب ، وقال : أحبه إلينا أحلكه ، وكذلك شرحبيل بن السمط ، وقال عنبسة بن سعيد : إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت ، وأحبه إلينا أحلكه ، وكان إسماعيل بن أبي عبد الله يخضب بالسواد ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ، ويقول : هو تسكين للزوجة وأهيب للعدو ، وعن ابن أبي مليكة أن عثمان كان يخضب به ، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يختضبون ، ومن التابعين علي بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو بردة . وروى ابن وهب ، عن مالك قال : لم أسمع في صبغ الشعر بالسواد نهيا معلوما ، وغيره أحب إلي . وعن أحمد فيه روايتان ، وعن الشافعية أيضا روايتان ، والمشهور يكره .
وقيل يحرم ويتأكد المنع لمن دلس به . وذكر الكلبي أن أول من صبغ بالسواد عبد المطلب بن هاشم . قلت : هذا من العرب .
وأما أول من صبغ لحيته بالسواد ففرعون موسى عليه السلام وله حكاية ذكرناها في ( تاريخنا ) .