حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب عذاب المصورين يوم القيامة

حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم قال : كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير ، فرأى في صفته تماثيل ، فقال : سمعت عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحميدي مر عن قريب ، وسفيان هو ابن عيينة ، والأعمش هو سليمان ، ومسلم هو ابن الصبيح أبو الضحى ، وقال بعضهم : وجوز الكرماني أن يكون مسلم بن عمران البطين ثم قال إنه الظاهر ، وهو مردود ، فقد وقع في رواية مسلم في هذا الحديث من طريق وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، قلت : لم يقل الكرماني هذا ؛ بل قال مسلم : يحتمل أن يكون أبا الضحى وأن يكون البطين لأنهما يرويان عن مسروق ، والأعمش يروي عنهما ، والظاهر هو الثاني ، ولا قدح بهذا الاشتباه ؛ لأن كلا منهما بشرط البخاري ، والعجب من هذا القائل أنه ينقل غير صحيح ثم يستدل على صحة قوله بما وقع في رواية مسلم وهو استدلال مردود ؛ لأن رواية مسلم عن أبي الضحى لا تستلزم رواية البخاري عنه لوجود الاحتمال المذكور ، ومسروق هو ابن الأجدع ، ويسار ضد اليمين ابن نمير بالنون ، الذي سكن الكوفة ، وكان مولى عمر وخازنه ، وله رواية عن عمر وغيره ، وروى عنه أبو وائل وهو من أقرانه ، وأبو إسحاق السبيعي وهو ثقة ، ولا يظهر له في البخاري غير هذا الموضع .

والحديث أخرجه مسلم في اللباس عن ابن عمر وآخرين ، وأخرجه النسائي في الزينة عن أحمد بن حرب وغيره . قوله : في صفته صفة الدار مشهورة ، قوله : تماثيل جمع تمثال بكسر التاء ، وهو اسم من المثال يقال مثلت بالتخفيف والتثقيل إذا صورت مثالا ، وقيل لا فرق بين الصورة والتمثال ، والصحيح أن بينهما فرقا وهو أن الصورة تكون في الحيوان ، والتمثال يكون فيه وفي غيره ، وقيل التمثال ما له جرم وشخص ، والصورة ما كان رقما أو تزويقا في ثوب أو حائط . قوله : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون هكذا وقع في مسند الحميدي ، عن سفيان يوم القيامة وروي إن أشد الناس عذابا عند الله ويحتمل أن الحميدي حدث به على الوجهين ، والذي حدث به الحميدي في مسنده هو المطابق للترجمة ، ومعنى قوله : عند الله أي في حكم الله تعالى ، ووقع لمسلم في رواية من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابا المصورون كذا وقع عند بعض الرواة ، وعند الأكثرين المصورين ، ووجه بأن من زائدة واسم إن أشد ، ووجهها ابن مالك على حذف ضمير الشأن والتقدير أنه من أشد الناس الخ .

فإن قلت : هنا إشكال وهو كون المصور أشد الناس عذابا مع قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابا من آل فرعون ، قلت : أجاب الطبري بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله تعالى وهو عارف بذلك قاصد له فإنه يكفر بذلك ، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون ، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيا بتصويره فقط ، وفيه نظر ، وقال القرطبي : إن الناس الذي أضيف إليهم أشد لا يراد بهم كل الناس بل بعضهم ، وهم الذين شاركوا في المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الآلهية عذابا ، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه ، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابا ممن يصورها لا للعبادة ، وقيل : الرواية ثابتة بإثبات من وبحذفها محمولة عليها ، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذابا كان مشتركا مع غيره ، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب بل هم في العذاب الأشد ، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد ، وقيل الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر فلا إشكال فيه لأنه يكون مشتركا في ذلك مع آل فرعون ، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور ، وإن كان ورد في حق عاص فيكون أشد عذابا من غيره من العصاة ، ويكون ذلك دالا على عظم المعصية المذكورة ، وفي التوضيح قال أصحابنا وغيرهم : تصوير صورة الحيوان حرام أشد التحريم وهو من الكبائر ، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فحرام بكل حال ؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله ، وسواء كان في ثوب أو بساط أو دينار أو درهم أو فلس أو إناء أو حائط ، وأما ما ليس فيه صورة حيوان كالشجر ونحوه فليس بحرام ، وسواء كان في هذا كله ما له ظل وما لا ظل له ، وبمعناه قال جماعة العلماء مالك والثوري وأبو حنيفة وغيرهم ، وقال القاضي : إلا ما ورد في لعب البنات ، وكان مالك يكره شراء ذلك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث