حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن

حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا حنظلة ، عن سالم ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا . مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه ؛ لأن امتلاء الجوف بالشعر كناية عن كثرة الاشتغال به حتى يكون وقته مستغرقا به ، فلا يتفرغ لذكر الله عز وجل ، ولا لقراءة القرآن ، وتحصيل العلم ، وهذا هو المذموم ، وفيه إشارة إلى أن ذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن ، والاشتغال بالعلم إذا كانت غالبة عليه فلا يدخل تحت هذا الذم . وعبيد الله بن موسى هو أبو محمد العبسي الكوفي ، وحنظلة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة ، وباللام ابن أبي سفيان الجمحي القرشي من أهل مكة ، واسم أبي سفيان الأسود ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر ، يروي عن أبيه .

والحديث أخرجه الطحاوي ، حدثنا يونس قال : حدثنا ابن وهب قال : سمعت حنظلة قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مثله ، وهذا السند أقوى من سند البخاري على ما لا يخفى ، ويونس هو ابن عبد الأعلى الصدفي المصري شيخ مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . قوله : لأن يمتلئ اللام فيه للتأكيد ، وأن مصدرية ، وهو في محل الرفع على الابتداء ، وخبره هو قوله : خير له ، قوله : قيحا نصب على التمييز ، وهو الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح ، ويقال : هو المدة التي لا يخالطها الدم ، وروى الطحاوي أيضا بإسناده ، عن عمرو بن حريث ، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا . وأخرجه البزار ، ثم قال : وهذا الحديث قد رواه غير واحد ، عن إسماعيل ، عن عمرو بن حريث ، عن عمر رضي الله تعالى عنه موقوفا ، ولا نعلم أحدا أسنده إلا خلاد عن سفيان ، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا موقوفا ، وأخرج الطحاوي أيضا بإسناده من حديث محمد بن سعد ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا ، وأخرجه مسلم أيضا ، وروى الطحاوي أيضا ، عن أبي هريرة على ما نذكره عن قريب ، وروى أيضا من حديث عوف بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته قيحا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرا .

ولما أخرج الترمذي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : وفي الباب عن أبي سعيد ، وأبي الدرداء قلت : حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم ، قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالعرج إذ عرض علينا شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : احذروا الشيطان ، أو أمسكوا الشيطان ؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا وحديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني من حديث خالد بن معدان ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ، ولما أخرج الطحاوي الأحاديث المذكورة قال : فكره قوم رواية الشعر ، واحتجوا بهذه الآثار ، قلت : أراد بالقوم هؤلاء مسروقا ، وإبراهيم النخعي ، وسالم بن عبد الله ، والحسن البصري ، وعمرو بن شعيب ، فإنهم قالوا : يكره رواية الشعر ، وإنشاده ، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث المذكورة . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : لا بأس برواية الشعر الذي لا قذع فيه . قلت : أراد بالآخرين الشعبي ، وعامر بن سعد ، ومحمد بن سيرين ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبا حنيفة ، ومالكا ، والشافعي ، وأحمد ، وأبا يوسف ، ومحمدا ، وإسحاق بن راهويه ، وأبا ثور ، وأبا عبيد ، فإنهم قالوا : لا بأس برواية الشعر الذي ليس فيه هجاء ، ولا نكت عرض أحد من المسلمين ، ولا فحش .

وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، والبراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عباس ، وعمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبير ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمران بن الحصين ، والأسود بن سريع ، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، قوله : لا قذع فيه بفتح القاف وسكون الذال المعجمة وبعين مهملة ، وهو الفحش والخنى ، ثم أجاب الطحاوي عن الأحاديث المذكورة بما ملخصه : قيل لعائشة : إن أبا هريرة يقول : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ؟ فقالت عائشة : يرحم الله أبا هريرة ، حفظ أول الحديث ، ولم يحفظ آخره : إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا من مهاجاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وقوله : جوف أحدكم ظاهره الجوف مطلقا بما فيه من القلب وغيره ، ويحتمل أن يراد به القلب خاصة ، وهذا هو الأظهر ؛ لأن القلب إذا وصل إليه شيء منه ، وإن كان يسيرا فإنه يموت لا محالة ، بخلاف غير القلب ، وقوله : شعرا ظاهره العموم ، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وما يشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث