باب ما جاء في قول الرجل ويلك
حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ، حدثنا الوليد ، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي ، قال : حدثني ابن شهاب الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أعرابيا قال : يا رسول الله ، أخبرني عن الهجرة ، فقال : ويحك ، إن شأن الهجرة شديد ، فهل لك من إبل ، قال : نعم ، قال : فهل تؤدي صدقتها ، قال : نعم ، قال : فاعمل من وراء البحار ، فإن الله لن يترك من عملك شيئا . لا تتوجه المطابقة بين هذا الحديث ، والترجمة إلا على قول من يقول : إن لفظ ويل وويح كلاهما بمعنى واحد كما ذكرناه عن قريب . والوليد هو ابن مسلم الدمشقي ، وأبو عمرو ، هو عبد الرحمن الأوزاعي .
والحديث مضى في الهجرة عن علي بن عبد الله ، وعن محمد بن يوسف إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : أخبرني عن الهجرة ، وهي ترك الوطن إلى المدينة . قوله : ويحك إن شاء الهجرة شديد ، قيل : كان هذا قبل الفتح فيمن أسلم من غير أهل مكة ، كأنه صلى الله عليه وسلم يحذره شدة الهجرة ومفارقة الأهل ، والوطن ، وكانت هجرته وصوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله : فهل لك من إبل ، قال : نعم ، قال : فهل تؤدي صدقتها ، أي : زكاتها ، ولم يسأل عن غيرها من الأعمال الواجبة عليه ؛ لأن حرص النفوس على المال أشد من حرصها على الأعمال البدنية . قوله : فاعمل من وراء البحار بالباء الموحدة ، والحاء المهملة ، وهو جمع بحرة ، وهي القرية ، سميت بحرة لاتساعها ، والمعنى فاعمل من وراء القرى ، فإن الله لن يترك ، ووقع في رواية الكشميهني بالتاء المثناة من فوق ، وبالجيم ، وهو تصحيف . قوله : لن يترك ، أي : لن ينقصك ، قال الله تعالى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ومادته من وتر يتر ترة إذا نقصه ، وأصل يتر يوتر حذفت الواو لوقوعها بين الياء ، والكسرة ، ويروى لن يترك من الترك ، والكاف أصلية ، وحاصل المعنى أن القيام بحق الهجرة شديد ، فاعمل الخير حيث ما كنت ؛ لأنك إذا أديت فرض الله ، فلا تبال أن تقيم في بيتك ، وإن كان أبعد البعيد من المدينة ، فإن الله لا يضيع أجر عملك .