باب إفشاء السلام
حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن الشيباني ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن معاوية بن سويد بن مقرن ، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : بعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ونصر الضعيف ، وعون المظلوم ، وإفشاء السلام ، وإبرار المقسم ، ونهى عن الشرب في الفضة ، ونهانا عن تختم الذهب ، وعن ركوب المياثر ، وعن لبس الحرير ، والديباج ، والقسي ، والإستبرق . مطابقته للترجمة في قوله : وإفشاء السلام ، وهي من لفظ الحديث ، وقتيبة بن سعيد ، وجرير بن عبد الحميد ، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان . والحديث قد مضى في أواخر كتاب الأدب أخرجه عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن الأشعث بن سليم ، عن معاوية بن سويد بن المقرن ، عن البراء ، وأخرجه في الجنائز عن أبي الوليد ، وأخرجه في المظالم عن سعيد بن الربيع ، وفي اللباس عن آدم ، وعن محمد بن مقاتل ، وقبيصة ، وفي الطب عن حفص بن عمر ، وفي الأدب عن سليمان بن حرب ، وفي النذور عن بندار ، عن غندر ، وفي النكاح عن الحسن بن الربيع ، وفي الأشربة عن موسى بن إسماعيل ، وفي النذور أيضا عن قبيصة .
ونبين ما في هذه الروايات من الاختلاف بالزيادة والنقصان ، أما هنا ، فاثنان من السبعة نصر الضعيف ، وعون المظلوم ، وفي الجنائز ذكر إجابة الداعي ، ونصر المظلوم ، ولم يذكر هنا إجابة الداعي ، وذكر عون المظلوم عوض نصر المظلوم ، ووجهه أن التخصيص بالعدد في الذكر لا ينفي الغير ، أو أن الضعيف أيضا داع ، والنصر إجابة ، وبالعكس ، وذكر هنا إفشاء السلام ، وهناك رد السلام ، وهما متلازمان شرعا ، وأما في المظالم ، فكذلك ذكر إجابة الداعي ونصر المظلوم ، وهنا ذكر عون المظلوم ، وعونه هو نصره . وأما في اللباس ، فمن ثلاث طرق ( أحدها ) عن آدم ، ففيه إجابة الداعي ونصر المظلوم ، ( والثاني ) عن محمد بن مقاتل ، فأخرجه مختصرا : نهانا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن المياثر الحمر ، وعن القسي ، ( والثالث ) عن قبيصة : أمرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسبع : عيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ونهانا عن لبس الحرير ، والديباج ، والقسي ، والإستبرق ، ومياثر الحمر . وأما في الطب فالنهي مقدم ، والأمر مؤخر ، فذكر في النهي ستة ( السادس ) الميثرة ، وذكر في الأمر ثلاثة : أن نتبع الجنائز ، ونعود المريض ، ونفشي السلام .
وأما في الأدب ، فقدم الأمر ، وذكر الستة اثنان منها : إجابة الداعي ، ونصر المظلوم ، وفيه لفظ رد السلام موضع إفشاء السلام ، وذكر في النهي ستة أيضا آخرها : والمياثر ، وفيه لفظ الديباج ، والسندس ، وأما في النذور ، فعن قبيصة وبندار مختصرا : أمرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإبرار المقسم . وأما في النكاح ، فقدم الأمر ، وذكر السبعة ، وفيها : إجابة الداعي ، وذكر في النهي ستة وفيها : عن المياثر ، والقسي ، وأما في الأشربة ، فكذلك قدم الأمر ، وذكر في النهي خمسة ، فإذا عد أنواع الحرير يكون سبعة ، وفيها المياثر ، والقسي ، وقد ذكرنا في كل واحد من هذه المواضع بما فيه الكفاية . قوله : وإفشاء السلام يدل على عموم التسليم ، ولكن اختلف في مشروعية السلام على الفاسق ، وعلى الصبي ، وفي سلام الرجل على المرأة وعكسه ، وقال النووي : ويستثنى من العموم بابتداء السلام من كان مشتغلا بأكل ، أو شرب ، أو جماع ، أو كان في الخلاء ، أو الحمام ، أو نائما ، أو ناعسا ، أو مصليا ، أو مؤذنا ما دام ملتبسا بشيء مما ذكر ، فلو لم تكن اللقمة في فم الآكل مثلا شرع السلام عليه ، ويشرع في المتبايعين ، وسائر المعاملات ، وتقدم في كتاب الطهارة أن الذي في الحمام إن كان عليه إزار يسلم عليه ، وإلا فلا ، ولا يسلم في حال الخطبة ، فإذا سلم لا يجب الرد لوجوب الإنصات ، ولا يسلم الخصم على القاضي ، وإذا سلم لا يجب عليه الرد ، ولا يسلم على من يلعب بالشطرنج ، إلا إذا كان قصده التشويش عليهم ، وفي القنية لا يسلم المتفقه على أستاذه ، ولو سلم لا يجب رده ، قلت : فيه نظر ، ولا يسلم على الشيخ الممازح ، أو الكذاب ، أو اللاغي ، ومن يسب الناس ، وينظر في وجوه النسوان في الأسواق ، ولا يعرف توبتهم ، ولا يسلم على المبتدع ، ولا من اقترف ذنبا عظيما ، ولم يتب منه ، ولا يرد عليه السلام ، وقال ابن عمر : لا تسلموا على شربة الخمر ، والصحيح أن هذا عن عبد الله بن عمرو بالواو ، ولا يسلم على الظلمة إلا إذا اضطر إليه ، وقال ابن العربي : يسلم ، وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، المعنى الله رقيب عليكم ، وإذا مر على واحد ، أو أكثر وغلب على ظنه أنه إذا سلم عليه لا يرده إما لتكبر ، وإما لإهمال ، وإما لغير ذلك فينبغي أن يسلم ، ولا يتركه لهذا الظن ، فقد يخطئ الظن ، وإن سلم على رجل ظنه مسلما ، فإذا هو كافر استحب أن يرد سلامه فيقول رد علي سلامي ، والمقصود من ذلك أن يوحشه ، ويظهر له أن ليس بينهما ألفة ، وإذا دخل بيتا ، وليس فيه أحد يسلم ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يستحب إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول : السلام علينا ، وعلى عباد الله الصالحين .
قوله : المياثر جمع ميثرة ، قال الجوهري : الميثرة السرج غير مهموزة ، ويجمع على مياثر ، ومواثر ، وقال أبو عبيدة : وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي ، فكانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير ، وقد مر الكلام فيه غير مرة .