باب سكرات الموت
حدثني صدقة ، أخبرنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه متى الساعة ، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول : إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم . قال هشام : يعني موتهم . يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة من قوله : موتهم لأن كل موت فيه سكرة .
وصدقة : هو ابن الفضل المروزي . وعبدة : بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ، هو ابن سليمان ، وهشام : هو ابن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها . والحديث من أفراده ، ونظيره حديث أنس مضى في كتاب الأدب في باب ما جاء في قول الرجل : ويلك .
قوله : الأعراب هم ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ، ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية أو المدن ، والنسبة إليهما : أعرابي وعربي ، وقال الجوهري : ليس الأعراب جمعا لعرب كما أن الأنباط جمع لنبط ، إنما العرب اسم جنس . قوله : جفاتا بضم الجيم ، جمع جاف من الجفاء ، وهو الغلظ في الطبع لقلة مخالطة الناس ، ويروى بالحاء المهملة جمع حاف ، وهو الذي يمشي بلا شيء في رجليه ، وكلا المعنيين غالب على أهل البادية . قوله : ينظر إلى أصغرهم وفي رواية مسلم وكان ينظر إلى أحدث أسنان منهم .
قوله : لا يدركه مجزوم ؛ لأنه جواب الشرط . قوله : قال هشام يعني ابن عروة ، راوي الحديث ، وهو موصول بالسند المذكور ، يعني : فسر الساعة بالموت ، قال الكرماني : يريد بساعتهم موتهم وانقراض عصرهم ، إذ من مات فقد قامت قيامته ، وكيف والقيامة الكبرى لا يعلمها إلا الله عز وجل ، ثم قال : فإن قلت : السؤال عن الكبرى والجواب عن الصغرى ، فلا مطابقة . قلت : هو من باب أسلوب الحكيم .
قلت : معناه دعوا السؤال عن وقت القيامة الكبرى ، فإنها لا يعلمها إلا الله عز وجل واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم ، فهو أولى لكم ، لأن معرفتكم إياه تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فوته ، لأن أحدكم لا يدري من الذي يسبق الآخر . وقيل : هو تمثيل لتقريب الساعة لا يراد بها حقيقة قيامها أو الهرم لا حد له أو علم صلى الله تعالى عليه وسلم أن ذلك المشار إليه لا يعمر ولا يعيش .