باب ميراث الولد من أبيه وأمه
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر . مطابقته للترجمة من حيث إنه يدخل فيه ميراث الابن على ما لا يخفى . ووهيب هو ابن خالد يروي عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
والحديث أخرجه مسلم في الفرائض أيضا عن أمية بن بسطام وعن غيره ، وأخرجه أبو داود فيه أيضا عن أحمد بن صالح وغيره ، وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به وغيره ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن معمر وغيره . وقيل : تفرد بوصله وهيب ، ورواه الثوري عن طاوس ولم يذكر ابن عباس بل أرسله ، أخرجه النسائي والطحاوي ، وأشار النسائي إلى ترجيح الإرسال ، والمرجح في الصحيحين الوصل ، وإذا تعارض الوصل والإرسال ولم يرجح أحد الطرفين قدم الوصل . قوله : ألحقوا الفرائض أي الأنصباء المقدرة في كتاب الله وهي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس ، وأصحابها مذكورة في الفرائض .
قوله : بأهلها هو من يستحقها بنص القرآن ، ووقع في رواية روح بن القاسم عن ابن طاوس : اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله ، أي على وفق ما أنزل الله في كتابه . قوله : فما بقي أي من أصحاب الفرائض ، قوله : فهو لأولى رجل قال النووي : المراد بالأولى الأقرب وإلا لخلا عن الفائدة لأنا لا ندري من هو الأحق ، وقال الخطابي : الأولى الأقرب رجل من العصبة . وفي التلويح : قوله : فهو لأولى رجل يريد إذا كان في الذكور من هو أولى من صاحبه بقرب أو بطن ، فأما إذا استووا في التعدد وأدلوا بالإناث والأمهات معا كالإخوة وشبههم فلم يقصدوا بهذا الحديث لأنه ليس في البنين من هو أولى منهم لأنهم قد استووا في المنزلة ، ولا يجوز أن يقال : أولى وهم سواء فلم يرد البنين بهذا الحديث ، وإنما أراد غيرهم .
ووقع في رواية الكشميهني : فلأولى رجل بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة على وزن أفعل التفضيل من الولي بسكون اللام وهو القرب ، أي لمن يكون أقرب في النسب إلى الموروث ، وليس المراد هنا الأحق . وقال عياض : إن في رواية ابن الحذاء عن ابن ماهان في مسلم : فهو لأدنى . بدال ونون وهو بمعنى الأقرب .
وقال ابن التين : إنما المراد به العمة مع العم وبنت الأخ مع ابن الأخ وبنت العم مع ابن العم ، وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأب ، فإنهم يرثون بنص قوله تعالى وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ويستثنى من ذلك من يحجب كالأخ للأب مع البنت والأخت الشقيقة ، وكذا يخرج الأخ والأخت لأم بقوله تعالى فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ وقد نقل الإجماع على أن المراد بها الإخوة من الأم ، قوله : رجل ذكر فيه أقوال كثيرة أعني في توصيف الرجل بالذكورة . الأول : قال ابن الجوزي والمنذري : هذه اللفظة ليست بمحفوظة ، وقال ابن الصلاح : فيها بعد عن الصحة من حيث اللغة فضلا عن الرواية . الثاني : إنما وصف الرجل بالذكر للتنبيه على سبب استحقاقه وهي الذكورة التي هي سبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث .
الثالث : قال السهيلي : قوله : ذكر صفة لأولى لا لرجل ، والأولى بمعنى القريب الأقرب ، فكأنه قال : فهو لقريب الميت ذكر من جهة الرجل وصلب لا من جهة بطن ورحم ، فالأولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت ، وقد أشير بذكر الرجل إلى جهة الأولوية فأفيد بذلك نفي الميراث عن الأولى الذي هو من جهة الأم كالخال . وبقوله : ذكر إلى نفيها عن النساء بالعصوبة وإن كن من الأولين للميت من جهة الصلب ، ولو جعلناه صفة لرجل يلزم اللغو وأن لا يبقى معه حكم الطفل الرضيع إذ لا يطلق الرجل إلا على البالغ ، وقد علم أنه يرث ولو ابن ساعة وأن لا تحصل التفرقة بين قرابة الأب وقرابة الأم . الرابع : قال الخطابي : إنما قال : ذكر ، لبيان إرثه بالذكورة ليعلم أن العصبة إذا كان عما أو ابن عم مثلا وكان معه أخت له لا ترث ولا يكون المال بينهما ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ورد بأنه ظاهر من التعبير بقوله رجل .
الخامس : قال ابن التين إنه للتأكيد كما في قوله : ابن لبون ذكر ورد بأن هذا ليس بتأكيد لفظي ولا معنوي . السادس : قال غيره : هذا التأكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة لأن الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر ، فقد حكى سيبويه : مررت برجل رجل أبوه ، فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد بذكر حتى لا يظن أن المراد به خصوص البالغ . السابع : إنما قيد بذكر خشية أن يظن أن المراد من الرجل الشخص وهو أعم من الذكر والأنثى ، وفيه ما فيه على ما لا يخفى .
الثامن : ما قاله بعض الفرضيين إنه احتراز عن الخنثى . التاسع : ما قيل : إن المراد بالرجل الميت لأن الغالب في الأحكام أن تذكر الرجال وتدخل النساء فيهم بالتبعية . العاشر : أنه للإشارة إلى الكمال في ذلك ، كما يقال : امرأة أنثى ، وفيه ما فيه ، وقيل غير ذلك مما الغالب فيه النظر والتردد .