باب ذوي الأرحام
حدثني إسحاق بن إبراهيم ، قال : قلت لأبي أسامة : حدثكم إدريس ، حدثنا طلحة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ولكل جعلنا موالي والذين عاقدت أيمانكم ، قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت ولكل جعلنا موالي قال : نسختها والذين عاقدت أيمانكم . مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله : جعلنا موالي لأن الموالي الورثة ، وكذا فسر ابن عباس في هذا الحديث لأنه ذكره في الكفالة بقوله : حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا أبو أسامة بن إدريس ، عن طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ولكل جعلنا موالي ، قال : ورثة الحديث ، ولفظ الورثة يطلق على ذوي الأرحام ، فترجم بقوله : باب ذوي الأرحام لكنه مبهم لا يفهم منه أنهم يرثون أم لا ، ولكن ذكره هذا الحديث بهذا السياق يدل على أنهم لا يرثون ، ولكن في هذا السياق نظر لأنه يشعر بأن قوله : والذين عاقدت أيمانكم هو ناسخ ، والصواب أنه هو المنسوخ نبه عليه الطبري وغيره في رواية عن ابن عباس ، وجمهور السلف على أن الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن ، وهو الذي أثبته أبو عبيد في ناسخه ومنسوخه . وفيه قول آخر روى الزهري ، عن المسيب قال : أمر الله تعالى الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوهم في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذي الرحم والعصبة .
وقالت طائفة : قوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم محكمة ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصبائهم من النصرة والنصيحة والرفادة وما أشبه ذلك دون الميراث ، ذكره أيضا الطبري عن ابن عباس وهو قول مجاهد والسدي . وقال فقهاء الأمصار والعراق والكوفة والبصرة وجماعة من العلماء في سائر الآفاق بتوريث ذوي الأرحام ، وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المقدام بن معدي كرب : الخال وارث من لا وارث له ، يعقل عنه ويرثه . وصححه ابن حبان والحاكم ، وروى الترمذي مرفوعا محسنا عن عمر رضي الله تعالى عنه : الخال وارث من لا وارث له .
وأخرجه النسائي من حديث عائشة ، وأخرجه عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن عمرو بن مسلم ، حدثنا طاوس عنها رضي الله تعالى عنها : فإن قلت : روى الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على حمار ، فلقيه رجل فقال : يا رسول الله ، رجل ترك عمة وخالة لا وارث له غيرهما ، فرفع رأسه إلى السماء ، فقال : اللهم رجل ترك عمته وخالته لا وارث له غيرهما ، ثم قال : أين السائل ؟ قال : ها أنا ذا ، قال : لا ميراث لهما ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد . قلت : عبد الله بن جعفر المديني فيه مقال ، قال أبو حاتم : منكر الحديث جدا ، يحدث عن الثقات بالمناكير يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال الجرجاني : واهي الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وعنه : ليس بثقة ، وأخرجه الدارقطني من حديث أبي عاصم موقوفا .
وشيخ البخاري في هذا الحديث هو إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه ، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة ، وإدريس هو ابن يزيد من الزيادة ابن عبد الرحمن الأودي ، وطلحة هو ابن مصرف بكسر الراء المشددة وبالفاء . والحديث أخرجه النسائي وأبو داود جميعا في الفرائض عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة . قوله : يرث الأنصاري بالرفع لأنه فاعل ، وقوله : المهاجري بالنصب مفعوله ، وليست الياء فيه للنسبة وإنما هي للمبالغة كما يقال : الأحمري في الأحمر ، وقيل : زيدت فيه ياء النسبة للمشاكلة ، وقال الكرماني : أين العائد إلى اسم كان .
قلت : وضع المهاجري مكانه ، واللازم في مثله الارتباط بينهما سواء كان بالضمير أو بغيره ، وقال أيضا : تقدم في سورة النساء بالعكس ، وقال : يرث المهاجري الأنصاري . قلت : المقصود منهما بيان إثبات الوراثة بينهما في الجملة ، ثم قال : وفيه أمر آخر عكس ذلك وهو أنه قال ثمة : ولكل جعلنا ، والمنسوخ : والذين عاقدت ، والمفهوم هنا عكسه . قلت : فاعل نسختها آية ولكل جعلنا ، والذين عاقدت منصوب على العناية أي أعني والذين عاقدت ، وقيل : الضمير في نسختها عائد على المؤاخاة لا على الآية ، والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله : ولكل جعلنا موالي وقوله : والذين عاقدت أيمانكم بدل من الضمير ، وأصل الكلام لما نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نسخت والذين عاقدت أيمانكم .