حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القائف

حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض . مطابقته للترجمة من حيث إن مجززا المذكور حكم بالقيافة في زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ، وكانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة ؛ لأنه كان أسود شديد السواد ، لكون أمه كانت سوداء ، وكان أبوه زيد أبيض من القطن ، فلما قال هذا القائف ما قال مع اختلاف اللون سر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ لكونه كافا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك . والحديث أخرجه مسلم في النكاح ، عن يحيى بن يحيى ، وغيره ، وأخرجه أبو داود في الطلاق ، والترمذي في الولاء ، والنسائي في الطلاق .

قوله : دخل مسرورا أي دخل إلى حجرة عائشة حال كونه مسرورا ، أي فرحانا . قوله : تبرق أسارير وجهه جملة حالية ، والأسارير هي الخطوط التي تجمع في الجبهة وتنكسر ، واحدها سر وسرر ، وجمعها أسرار وأسرة ، وجمع الجمع أسارير ، وروي عن عائشة أنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تبرق أكاليل وجهه جمع إكليل ، وهي ناحية الجبهة ، وما يتصل بها من الجبين ، وذلك إنما يوضع الإكليل هناك ، وكل ما أحاط بالشيء وتكلله من جوانبه فهو إكليل ، قاله الخطابي قوله : ألم تري ويروى : ألم ترين بالنون في آخره ، والمراد بالرؤية هنا الإخبار أو العلم . قوله : أن مجززا بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الزاي المكسورة ، ويحكى فتحها ، وفي آخره زاي أخرى ، وسمي بذلك لأنه كان إذا أخذ أسيرا في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه ، وهو ابن الأعور بن جعدة المدلجي ، نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة ، وقال الذهبي : روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكره ابن يونس فيمن شهد فتح مصر ، وقال : لا أعلم له رواية ، وقال ابن ماكولا : إن مجززا له صحبة ، روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قاله الطبري ، وقال الكلبي : بعثه عمر بن الخطاب في جيش إلى الحبشة فهلكوا كلهم ، وقال ابن ماكولا أيضا بعد أن ضبط مجززا كما ذكرناه ، قال ابن عيينة : محرز يعني بسكون الحاء المهملة وكسر الراء ، وفي آخره زاي .

فإن قلت : هل كانت القيافة مخصوصة ببني مدلج أم لا ؟ قلت : كانت القيافة فيهم ، وفي بني أسد ، والعرب تعترف لهم بذلك ، والصحيح أنها ليست خاصة بهم ؛ قد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب : أن عمر رضي الله تعالى عنه كان قائفا ، أورده في قصته ، وعمر قرشي ليس مدلجيا ولا أسديا ، لا أسد قريش ، ولا أسد خزيمة ، قوله : نظر آنفا بالمد ، ويجوز بالقصر ، أي الساعة من قولك : استأنفت ، أي ابتدأت ، ومنه قوله تعالى : مَاذَا قَالَ آنِفًا أي في وقت يقرب منا . قوله : إلى زيد بن حارثة إلخ ذكر في الرواية التي بعدها : دخل علي فرأى أسامة بن زيد وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما ، وبدت أقدامهما ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، وفي رواية الكشميهني : بعضهما لمن بعض . وفيه إثبات الحكم بالقافة ، وممن قال به أنس بن مالك ، وهو أصح الروايتين عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وبه قال عطاء ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور ، وقال الكوفيون والثوري وأبو حنيفة وأصحابه : الحكم بها باطل ؛ لأنها حدس ، ولا يجوز ذلك في الشريعة ، وليس في حديث الباب حجة في إثبات الحكم بها ؛ لأن أسامة قد كان ثبت نسبه قبل ذلك ، ولم يحتج الشارع في إثبات ذلك إلى قول أحد ، وإنما تعجب من إصابة مجزز كما يتعجب من ظن الرجل الذي يصيب ظنه حقيقة الشيء الذي ظنه ، ولا يجب الحكم بذلك ، وترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الإنكار عليه ؛ لأنه لم يتعاط بذلك إثبات ما لم يكن ثابتا ، وقد قال تعالى وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث