باب لا يشرب الخمر أي هذا باب فيه لا يشرب المسلم الخمر ، وهذا مما حذف فاعله ، قاله ابن مالك ، ويجوز أن يكون لا يشرب على صيغة المجهول ، وفي رواية المستملي : باب الزنا وشرب الخمر ، أي هذا باب في بيان حكم الزنا وشرب الخمر . وقال ابن عباس : ينزع منه نور الإيمان في الزنا . هذا مطابق للجزء الأول للترجمة . قوله : ينزع منه أي من الزاني ، ووصله أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان من طريق عثمان بن أبي صفية قال : كان ابن عباس يدعو بغلمانه غلاما غلاما فيقول : ألا أزوجك ؛ ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الإيمان ، وقد روي مرفوعا أخرجه الطبري من طريق مجاهد ، عن ابن عباس ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من زنى نزع الله نور الإيمان من قلبه ، فإن شاء أن يرده إليه رده . 1 - حدثني يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب ، وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق ، وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعقيل بضم العين ابن خالد ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، ووقع في رواية مسلم من طريق شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جده ، حدثني عقيل بن خالد قال : قال ابن شهاب : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام . والحديث أخرجه مسلم كما ذكرنا من طريق عقيل ، عن ابن شهاب ، وأخرجه ابن ماجه أيضا في الفتن ، من طريق عقيل عن الزهري . وذكر الطبري أن من قبلنا اختلفوا في هذا الحديث ؛ فأنكر بعضهم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ، قال عطاء : اختلف الرواة في أداء لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وسئل عن تفسير هذا الحديث فقال : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزنين مؤمن ، ولا يسرقن مؤمن ، وقال آخرون : عنى بذلك : لا يزني الزاني وهو مستحل للزنا غير مؤمن بتحريم الله ذلك عليه ، فأما إن زنى وهو معتقد تحريمه فهو مؤمن ، روى ذلك عكرمة عن مولاه ، وحجتهم فيه حديث أبي ذر يرفعه : من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ، وإن زنى وإن سرق ، وقال آخرون : ينزع منه الإيمان ، فيزول عنه ، فيقال له : منافق وفاسق ، روي هذا عن الحسن ، قال : النفاق نفاقان تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا لا يغفر ، ونفاق خطايا وذنوب ، يرجى لصاحبه . وعن الأوزاعي : كانوا لا يكفرون أحدا بذنب ولا يشهدون على أحد بكفر ، ويتخوفون نفاق الأعمال على أنفسهم ، وقال آخرون : إذا أتى المؤمن كبيرة نزع منه الإيمان ، فإذا فارقها عاد إليه الإيمان ، وقال بعض الخوارج والرافضة والإباضية : من فعل شيئا من ذلك فهو كافر خارج عن الإيمان ؛ لأنهم يكفرون المؤمن بالذنب ، ويوجبون عليه التخليد في النار بالمعاصي ، وحجتهم ظاهر حديث أبي هريرة هذا ، وقال المهلب : قوله : ينزع منه نور الإيمان يعني ينزع نور بصيرته في طاعة الله ؛ لغلبة شهوته عليه ، فكأن تلك البصيرة نور طفته الشهوة من قلبه ، يشهد لهذا قوله عز وجل : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وقيل : هذا من باب التغليظ ، أو معناه نفي الكمال ، وقال ابن عباس : المراد منه الإنذار بزوال الإيمان إذا اعتاده ، فمن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه . قوله : حين يزني ، قال الكرماني : كلمة حين متعلقة بما قبلها أو بما بعدها ، ثم قال : تحتملهما ؛ أي لا يزني في أي حين كان ، أو وهو مؤمن حين يزني ، وفيه تنبيه على جميع أنواع المعاصي ؛ لأنها إما بدنية كالزنا أو مالية ، إما سرا ، كالسرقة ، أو جهرا كالنهب ، أو عقلية كالخمر ؛ فإنها مزيلة له . قوله : نهبة بضم النون ، وهو المال المنهوب ، وقال الكرماني : النهبة بالفتح مصدر ، وبضمها المال المنهوب ، يعني لا يأخذ الرجل مال غيره قهرا وظلما ، وهم ينظرون إليه ويتضرعون ، ويبكون ، ولا يقدرون على دفعه ، ثم قال : ما فائدة ذكر الأبصار ؟ فأجاب بأنه إخراج الموهوب المشاع والموائد العامة ، فإن رفعها لا يكون عادة إلا في الغارات ظلما صريحا . انتهى . وقيل : يحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك ، فيكون صفة لازمة للنهب ، بخلاف السرقة والاختلاس ، فإنه يكون في خفية ، والانتهاب أشد ؛ لما فيه من مزيد الجرأة وعدم المبالاة . وعن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله إلا النهبة . هذا موصول بالسند المذكور ، أي : وروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مثله ، أي مثل الحديث المذكور إلا لفظ النهبة ليس فيه ، وأخرجه مسلم من طريق شعيب بن الليث بلفظ : قال ابن شهاب : وحدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي بكر هذا إلا النهبة .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/402830
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة