حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الرجم في البلاط

حدثنا محمد بن عثمان ، حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان ، حدثني عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعا ، فقال لهم : ما تجدون في كتابكم ، قالوا : إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية ، قال عبد الله بن سلام : ادعهم يا رسول الله بالتوراة فأتي بها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له ابن سلام : ارفع يدك ، فإذا آية الرجم تحت يده ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما . قال ابن عمر : فرجما عند البلاط ، فرأيت اليهودي أجنأ عليها . مطابقته للترجمة في آخر الحديث ، ومحمد بن عثمان شيخ البخاري زاد فيه أبو ذر بن كرامة العجلي الكوفي ، وهو من أفراده ، وخالد بن مخلد بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة بينهما القطواني الكوفي ، وهو أيضا أحد مشايخ البخاري ، روى عنه في مواضع بلا واسطة ، وسليمان هو ابن بلال أبو أيوب مولى عبد الله بن أبي عتيق .

والحديث رواه مسلم من رواية نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا ، فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى جاء يهود فقال : ما تجدون في التوراة على من زنى ؟ قالوا : نسود وجوههما ، ونحممهما ، ونخالف بين وجوههما ، ويطاف بهما قال : فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين ، فجاءوا بها فقرؤوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم ، وقرأ ما بين يديها وما وراءها ، فقال له عبد الله بن سلام ، وهو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : فليرفع يده ، فرفعها ، فإذا تحتها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرجمهما ، قال عبد الله بن عمر : كنت فيمن رجمهما ، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ، وروى أبو داود من رواية زيد بن أسلم عن ابن عمر : أتى نفر من اليهود ، فدعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الأسقف ، فأتاهم في بيت المدارس ، فقالوا : إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهما ، ووضعوا له وسادة ، فجلس عليها ، فقال : ائتوني بالتوراة ، فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ، وقال : آمنت بك وبمن أنزلك ، ثم قال : ائتوني بأعلمكم ، فأتي بفتى شاب ، ثم ذكر قصة الرجم الحديث . قوله : أتي على صيغة المجهول من الإتيان . قوله : بيهودي ويهودية قال الزجاج : كانا من أهل خيبر ، وعن ابن الطلاع ذكر البخاري أنهم أهل ذمة .

قوله : أحدثا أي زنيا من أحدث إذا زنى ، ويقال : معناه فعلا فعلا فاحشا وأريد به الزنا ، قوله : إن أحبارنا أي علماءنا ، وهو جمع حبر ، وهو العالم الذي يزين الكلام ، قوله : أحدثوا أي ابتكروا ، قال الكرماني : هو من الإحداث ، وهو الإبداء ، وهو الإظهار ، أي أظهروا تحميم الوجه ، وهو تسجيمه بالجيم ، أي تسويده بالفحم ، والحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة ، قال ابن الأثير : هو جمع حمة ، وهي الفحمة قوله : والتجبية بالجيم والباء الموحدة من باب تخرجة ، وهو الإركاب معكوسا ، وقيل أن يحمل الزانيان على حمار مخالفا بين وجوههما ، قوله : فأتى بها أي بالتوراة . قوله : فقال له ابن سلام هو عبد الله بن سلام . قوله : أجنأ عليها بالجيم ، يقال : أجنا عليه يجنئ إجناء إذا أكب عليه يقيه شيئا ، وقال ابن التين : ورويناه هنا أجنا بالجيم ، والهمزة ، وفي رواية : فرأيته يجاني عليها من باب المفاعلة ، ويروى بالحاء المهملة أحنى عليها ، أي أكب عليها ، وقال الخطابي : الذي جاء في كتاب السنن أجنا يعني بالجيم ، والمحفوظ إنما هو أحنى بالحاء ، يقال : حنا يحنو حنوا ، وأحنى يحني ، أي يعطف ويشفق ، قيل فيه سبع روايات كلها راجعة إلى الوقاية .

واختلف العلماء في الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا أواجب ذلك علينا أم نحن فيه مخيرون ، فقال جماعة من فقهاء الحجاز والعراق : إن الإمام أو الحاكم مخير إن شاء حكم بينهم إذا تحاكموا بحكم الإسلام ، وإن شاء أعرض عنهم ، وقالوا : إن قوله تعالى فَإِنْ جَاءُوكَ محكمة لم ينسخها شيء ، وممن قال بذلك مالك والشافعي في أحد قوليه ، وهو قول عطاء والشعبي والنخعي ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : فَإِنْ جَاءُوكَ قال : نزلت في بني قريظة ، وهي محكمة ، وقال عامر والنخعي : إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم ، وعن ابن القاسم إذا تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعا ، فلا يحكم بينهما إلا برضا من أساقفتهما ، فإن كره ذلك أساقفتهم فلا يحكم بينهم ، وكذلك إن رضي الأساقفة ، ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهم ، وقال الزهري : مضت السنة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حكمنا ، فيحكم بينهم بكتاب الله عز وجل ، وقال آخرون : واجب على الحاكم أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الله تعالى ، وزعموا أن قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ تعالى ناسخ للتخيير في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وبه قال الزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وهو أحد قولي الشافعي ، إلا أن أبا حنيفة قال : إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ، ولم يرض الزوج لم يحكم ، وقال صاحباه : يحكم ، وكذا اختلف أصحاب مالك ، واختلف الفقهاء أيضا في اليهوديين من أهل الذمة إذا زنيا هل يرجمان إن رفعهم حكامهم إلينا أم لا ، فقال مالك : إذا زنى أهل الذمة وشربوا الخمر ، فلا يتعرض لهم الإمام إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين فيدخلون عليهم الضرر فيمنعهم السلطان من الضرر بالمسلمين قال مالك : وإنما رجم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اليهوديين ؛ لأنه لم يكن لليهود يومئذ ذمة وتحاكموا إليه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يحدان إذا زنيا كحد المسلمين ، وهو أحد قولي الشافعي .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث