باب قول الله تعالى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ
حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس والثيب الزاني ، والمارق من الدين التارك للجماعة . المطابقة بينه وبين الآية المذكورة في قوله : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ كما ذكرناه عن قريب . وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن عبد الله بن مرة بضم الميم وتشديد الراء ، عن مسروق ابن الأجدع ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه .
والحديث أخرجه مسلم في الحدود عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون ، وأخرجه الترمذي في الديات عن هناد ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن إسحاق بن منصور ، وفي القود عن بشر بن خالد . قوله : إلا بإحدى ثلاث أي بإحدى خصال ثلاث ، قوله : والنفس بالنفس أي تقتل النفس التي قتلت عمدا بغير حق بمقابلة النفس المقتولة ، قوله : والثيب الزاني أي الثيب من ليس ببكر يقع على الذكر والأنثى يقال : رجل ثيب ، وامرأة ثيب ، وأصله واوي لأنه من ثاب يثوب إذا رجع ، لأن الثيب بصدد العود ، والرجوع ، قلت : أصله ثويب قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، وهو الثاني من الثلاث ، وهو بيان استحقاق الزاني المحصن للقتل ، وهو الرجم بالحجارة ، وأجمع المسلمون على ذلك ، وكذلك أجمعوا على أن الزاني الذي ليس بمحصن حده جلد مائة ، قوله : والمارق من الدين كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني : والمفارق لدينه ، وفي رواية النسفي ، والسرخسي ، والمستملي : والمارق لدينه ، وقال الطيبي : هو التارك لدينه من المروق ، وهو الخروج ، ولفظ الترمذي : والتارك لدينه المفارق للجماعة ، وقال شيخنا في شرح الترمذي : هو المرتد ، وقد أجمع العلماء على قتل الرجل المرتد إذا لم يرجع إلى الإسلام ، وأصر على الكفر ، واختلفوا في قتل المرتدة ، فجعلها أكثر العلماء كالرجل المرتد ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا تقتل المرتدة لعموم قوله : نُهِيَ عن قتل النساء والصبيان ، قوله : التارك للجماعة قيد به للإشعار بأن الدين المعتبر هو ما عليه الجماعة . وقال الكرماني : فإن قلت : الشافعي يقتل بترك الصلاة قلت : لأنه تارك للدين الذي هو الإسلام يعني الأعمال ، ثم قال : لم لا يقتل تارك الزكاة ، والصوم ؟ وأجاب بأن الزكاة يأخذها الإمام قهرا ، وأما الصوم فقيل : تاركه يمنع من الطعام والشراب لأن الظاهر أنه ينويه لأنه معتقد لوجوبه انتهى ، قلت : في كل ما قاله نظر ، أما قوله : في الصلاة لأنه تارك للدين الذي هو الإسلام يعني الأعمال ، فإنه غير موجه لأن الإسلام هو الدين ، والأعمال غير داخلة فيه لأن الله عز وجل عطف الأعمال على الإيمان في سورة العصر ، والمعطوف غير المعطوف عليه ، ولهذا استشكل إمام الحرمين قتل تارك الصلاة من مذهب الشافعي ، واختار المزني أنه لا يقتل ، واستدل الحافظ أبو الحسن علي بن الفضل المصري المالكي بهذا الحديث على أن تارك الصلاة لا يقتل إذا كان تكاسلا من غير جحد ، فإن قلت : احتج بعض الشافعية على قتل تارك الصلاة بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة قلت : قد رد عليه ابن دقيق العيد بأن هذا إن أخذه من منطوق قوله : أن أقاتل الناس ففيه بعد فإنه فرق بين المقاتلة على الشيء ، والقتل عليه ، وإن أخذه من قوله : فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم فهذا دلالة المفهوم ، والخلاف فيها معروف ، ودلالة منطوق حديث الباب تترجح على دلالة المفهوم .
وأما قول الكرماني : بأن الزكاة يأخذها الإمام قهرا منه ، ففيه خلاف مشهور فلا تقوم به حجة ، وأما قوله : لأنه معتقد لوجوبه أي لأن تارك الصوم معتقد لوجوبه فيرد عليه أن تارك الصلاة أيضا يعتقد وجوبها ، واستدل بعض جماعة بقوله : التارك الجماعة على أن مخالف الإجماع كافر ، فمن أنكر وجوب مجمع عليه فهو كافر ، والصحيح تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين ضرورة كالصلوات الخمس ، وقيد بعضهم ذلك بإنكار وجوب ما علم وجوبه بالتواتر كالقول بحدوث العالم فإنه معلوم بالتواتر ، وقد حكى القاضي عياض الإجماع على تكفير القائل بقدم العالم ، واستثنى بعضهم مع الثلاثة المذكورة الصائل ، فإنه يجوز قتله للدفع ، وأجيب عنه بأنه إنما يجوز دفعه إذا أدى إلى القتل ، فلا يحل تعمد قتله إذا اندفع بدون ذلك ، فلا يقال : يجوز قتله ، بل دفعه ، وقيل : الصائل على قتل النفس داخل في قوله : التارك الجماعة ، واستدل به أيضا على قتل الخوارج ، والبغاة لدخولهم في مفارقة الجماعة ، وفيه حصر ما يوجب القتل في الأشياء الثلاثة المذكورة ، وحكى ابن العربي ، عن بعض أصحابهم أن أسباب القتل عشرة ، وقال ابن العربي : ولا يخرج عن هذه الثلاثة بحال ، فإن من سحر ، أو سب الله ، أو سب النبي ، أو الملك فإنه كافر ، وقال الداودي : هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فأباح القتل بالفساد ، وبحديث قتل الفاعل والمفعول به في الذي يعمل عمل قوم لوط ، وقيل : هما في الفاعل بالبهيمة .