باب في الهبة والشفعة
باب في الهبة والشفعة . أي هذا باب فيما يكره من الاحتيال في الرجوع عن الهبة والاحتيال في إسقاط الشفعة . وقال بعض الناس : إن وهب هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث عنده سنين واحتال في ذلك ، ثم رجع الواهب فيها فلا زكاة على واحد منهما فخالف الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الهبة وأسقط الزكاة .
أراد به التشنيع أيضا على أبي حنيفة من غير وجه ؛ لأن أبا حنيفة في أي موضع قال هذه المسألة على هذه الصورة ، بل الذي قاله أبو حنيفة هو أن الواهب له أن يرجع في هبته ، ولكن لصحة الرجوع قيود : الأول : أن يكون أجنبيا . والثاني : أن يكون قد سلمها إليه ؛ لأنه قبل التسليم يجوز مطلقا . والثالث : أن لا يقترن بشيء من الموانع ، وهي مذكورة في موضعها ، واستدل في جواز الرجوع بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها أي ما لم يعوض .
رواه أبو هريرة وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم . أما حديث أبي هريرة ، فأخرجه ابن ماجه في الأحكام من حديث عمرو بن دينار ، عن أبي هريرة ، وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني من حديث عطاء عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الحاكم من حديث سالم بن عبد الله ، يحدث عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، فكيف يحل أن يقال في حق هذا الإمام الذي علمه وزهده لا يحيط بهما الواصفون أنه خالف الرسول ، وكيف خالفه وقد احتج فيما قاله بأحاديث هؤلاء الثلاثة من الصحابة الكبار ، وأما الحديث الذي احتج به مخالفوه ، وهو ما رواه البخاري الذي يأتي الآن ، ورواه أيضا الجماعة غير الترمذي عن قتادة عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه . فلم ينكره أبو حنيفة ، بل عمل بالحديثين معا فعمل بالحديث الأول في جواز الرجوع ، وبالثاني في كراهة الرجوع لا في حرمة الرجوع كما زعموا ، وقد شبه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجوعه بعود الكلب في قيئه ، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة ، وهو يقول به لأنه مستقبح ، ولقائل أن يقول للقائل الذي قال إن أبا حنيفة خالف الرسول : أنت خالفت الرسول في الحديث الذي يحتج به على عدم الرجوع ؛ لأن هذا الحديث يعم منع الرجوع مطلقا سواء كان الذي يرجع منه أجنبيا أو والدا له .
فإن قلت : روى أصحاب السنن الأربعة عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده . قلت : هذا بناء على أصلهم أن للأب حق التملك في مال الابن ؛ لأنه جزؤه ، فالتمليك منه كالتمليك من نفسه من وجه قوله : واحتال في ذلك ، فسره بعضهم بقوله بأن تواطأ مع الموهوب له على ذلك . قلت : لم يقل أحد من أصحاب أبي حنيفة إن أبا حنيفة أو أحدا من أصحابه قال ذلك ، وإنما هذا اختلاق لتمشية التشنيع عليهم .