باب احتيال العامل ليهدى له
وقال بعض الناس : إن اشترى دارا بعشرين ألف درهم فلا بأس أن يحتال حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم ، وينقده تسعة آلاف درهم وتسعمائة درهم وتسعة وتسعين ، وينقده دينارا بما بقي من العشرين الألف ، فإن طلب الشفيع أخذها بعشرين ألف درهم ، وإلا فلا سبيل له على الدار ، فإن استحقت الدار رجع المشتري على البائع بما دفع إليه ، وهو تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعون درهما ودينار ؛ لأن البيع حين استحق انتقض الصرف في الدينار ، فإن وجد بهذه الدار عيبا ولم تستحق فإنه يردها عليه بعشرين ألف درهم ، قال : فأجاز هذا الخداع بين المسلمين ، وقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا داء ولا خبثة ولا غائلة . هذا أيضا تشنيع بعد تشنيع بلا وجه . قوله : إن اشترى دارا أي أراد اشتراء دار بعشرين ألف درهم .
قوله : فلا بأس أن يحتال أي على إسقاط الشفعة حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم . قوله : وينقده أي ينقد البائع تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعين ، وينقده دينارا بما بقي ، أي بمقابلة ما بقي من العشرين الألف ، ويروى : من العشرين ألفا ، يعني مصارفه عنها . قوله : فإن طلب الشفيع أي أخذها بالشفعة .
قوله : أخذها بصيغة الماضي أي أخذها بعشرين ألف درهم يعني بثمن الذي وقع عليه العقد . قوله : وإلا فلا سبيل له على الدار يعني وإن لم يرض أخذها بعشرين ألفا ، فلا سبيل له على الدار لسقوط الشفعة لكونه امتنع من بدل الثمن الذي وقع عليه العقد . قوله : فإن استحقت على صيغة المجهول يعني إذا ظهرت الدار مستحقة لغير البائع .
قوله : لأن البيع أي لأن المبيع . قوله : حين استحق أي للغير . قوله : انتقض الصرف أي الذي وقع بين البائع والمشتري في الدار المذكورة بالدينار ، وهي رواية الكشميهني أعني في الدينار ، وفي رواية غيره في الدار ، والأول أوجه .
قوله : فإن وجد بهذه الدار أي الدار المذكورة عيبا . قوله : ولم تستحق الواو فيه للحال ، أي والحال أنها لم تخرج مستحقة ، فإنه يردها أي الدار عليه ، أي على البائع بعشرين ألفا ، قال : وهذا تناقض بين ؛ لأن الأمة مجمعة ، وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يرد في الاستحقاق ، والرد بالعيب إلا ما قبض ، فكذلك الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري ، وما قبضه من البائع لا بما عقد ، وأشار إلى ذلك بقوله قال : فأجاز هذا الخداع بين المسلمين ، أي أجاز الحيلة في إيقاع الشريك في العين إن أخذ الشفعة ، وإبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها ، والضمير في قال يرجع إلى البخاري ، وفي أجاز إلى بعض الناس ، فإن كان مراده من قوله : فأجاز أي أبو حنيفة ففيه سوء الأدب فحاشا أبو حنيفة من ذلك ، فدينه المتين وورعه المحكم يمنعه عن ذلك . قوله : وقال : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أي قال البخاري : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأراد بهذا الحديث المعلق الذي مضى موصولا بأتم منه في أوائل كتاب البيوع الاستدلال على حرمة الخداع بين المسلمين في معاقداتهم .
قوله : لا داء أي لا مرض ، ولا خبثة بكسر الخاء المعجمة أي لا يكون ، وحكي الضم أيضا ، وقال الهروي : الخبثة أن يكون البيع غير طيب ، كأن يكون من قوم لم يحل سبيهم لعهد تقدم لهم ، وقال ابن التين : وهذا في عهد الرقيق ، قيل : إنما خصه بذلك لأن الخبر إنما ورد فيه . قوله : ولا غائلة ، وهو أن يأتي أمرا سوءا كالتدليس ونحوه ، وقال الكرماني : الغائلة الهلاك ، أي لا يكون فيه هلاك مال المشتري ، والأصل عنده من يرى هذا الاحتيال في هذه الصورة وغيرها هو أن إبطال الحقوق الثابتة بالتراضي جائز .