حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب رؤيا الصالحين

حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه النسائي في تعبير الرؤيا ، عن قتيبة وغيره ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن هشام بن عمار . قوله ( الحسنة ) هي إما باعتبار حسن ظاهرها أو حسن تأويلها ، وقسموا الرؤيا إلى الحسنة ظاهرا وباطنا كالتكلم مع الأنبياء عليهم السلام ، أو ظاهرا لا باطنا كسماع الملاهي ، وإلى رديئة ظاهرا وباطنا كلدغ الحية ، أو ظاهرا لا باطنا كذبح الولد .

قوله ( من الرجل ) ذكر للغالب فلا مفهوم له ، فإن المرأة الصالحة كذلك ، قاله ابن عبد البر . قوله ( جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) قال الكرماني : قوله ( من النبوة ) أي في حق الأنبياء دون غيرهم ، وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة ، وقيل : معناه أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة ، لا أنها جزء باق من النبوة . وقال الزجاج : تأويل قوله ( جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) أن الأنبياء عليهم السلام يخبرون بما سيكون ، والرؤيا تدل على ما يكون .

وقال الخطابي ناقلا عن بعضهم ما ملخصه : إن أول ما بدئ به الوحي إلى أن توفي ثلاث وعشرون سنة ، أقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا ، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر وهي نصف سنة ، فصارت هذه المدة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة بنسبتها من الوحي في المنام . ثم اعلم أن قوله ( جزء من ستة وأربعين جزءا ) هو الذي وقع في أكثر الأحاديث ، وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة : جزء من خمسة وأربعين ، وفي رواية له من حديث ابن عمر : جزء من سبعين جزءا ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة ، عن ابن مسعود موقوفا ، وأخرجه الطبراني عنه من وجه آخر مرفوعا ، وللطبراني من وجه آخر عنه : من ستة وسبعين ، وسنده ضعيف ، وأخرجه ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار ، عن ثابت ، عن أنس مرفوعا : جزء من ستة وعشرين ، وأخرج أحمد وأبو يعلى حديثا في هذا الباب ، وفيه قال ابن عباس : إني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءا من النبوة . وأخرجه الترمذي ، والطبري من حديث أبي ذر بن العقيلي : جزء من أربعين .

وأخرجه الطبري من وجه آخر ، عن ابن عباس : أربعين . وأخرج الطبري أيضا من حديث عبادة : جزء من أربعة وأربعين . وأخرج أيضا أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : جزء من تسعة وأربعين .

وذكر القرطبي في المفهم بلفظ : سبعة ، بتقديم السين ، فحصلت من هذه عشرة أوجه ووقع في شرح النووي ، وفي رواية عبادة : أربعة وعشرون ، وفي رواية ابن عمر : ستة وعشرون ، وقيل : جاء فيه اثنان وسبعون واثنان وأربعون وسبعة وعشرون وخمسة وعشرون ، فعلى هذا ينتهي العدد إلى ستة عشر وجها . وأجاب من تكلم في بيان وجه الاختلاف الأعداد بأنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ، كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين ، إن ثبت الخبر بذلك ، وذلك وقت الهجرة ، ولما أكمل عشرين حدث بأربعين ، ولما أكمل اثنين وعشرين حدث بأربعة وأربعين ، ثم بعدها بخمسة وأربعين ، ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته ، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين فضعيف ، ورواية الخمسين يحتمل أن تكون لجبر الكسر ، ورواية السبعين للمبالغة ، وما عدا ذلك لم يثبت ، والله أعلم

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث