حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة

( باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة )

ج٢٤ / ص١٩٤34 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن جابر ، حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول : كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن . قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر .

قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها . قلت : يا رسول الله ، صفهم لنا ، قال : هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا . قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .

قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام " إلى آخره . وابن جابر - بالجيم وكسر الباء الموحدة - هو عبد الرحمن بن زيد بن جابر ، كما صرح به مسلم في روايته عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه .

وبسر - بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة - ابن عبد الله الحضرمي ، بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة . وأبو إدريس عائذ الله - بالذال المعجمة - الخولاني ، بفتح الخاء المعجمة . والحديث مضى في علامات النبوة ، عن يحيى بن موسى .

وأخرجه مسلم في الفتن ، عن محمد بن المثنى به . وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن علي بن محمد ببعضه . قوله : " مخافة " أي لأجل مخافة أن يدركني أي الشر ، وكلمة أن مصدرية .

قوله : " في جاهلية وشر " يشير به إلى ما كان قبل الإسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضا ونهب بعضهم بعضا وارتكاب الفواحش . قوله : " بهذا الخير " يعني الإيمان والأمن وصلاح الحال واجتناب الفواحش . قوله : " دخن " بفتح الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة ، وهو الدخان ، وأراد به ليس خيرا خالصا ، بل فيه كدورة بمنـزلة الدخان من النار .

وقيل : أراد بالدخن الحقد . وقيل : الدغل . وقيل : فساد في القلب .

وقيل : الدخن كل أمر مكروه ، وقال النووي : المراد من الدخن أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض كما كانت عليه من الصفاء . قوله : " يهدون " بفتح أوله . قوله : " بغير هديي " بياء الإضافة عند الأكثرين ، وبياء واحدة بالتنوين في رواية الكشميهني ، وفي رواية الأسود : " تكون بعدي أئمة يهتدون بهديي ، ولا يستنون بسنتي " .

قوله : " تعرف منهم " أي من القوم المذكورين " وتنكر " يعني من أعمالهم ، وقال القاضي : الخير بعد الشر : أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، والذي تعرف منهم وتنكرهم الأمراء بعده ، ومنهم من يدعو إلى بدعة وضلالة كالخوارج ، وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بالشر زمان قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ، وبالخير بعده زمان خلافة علي رضي الله تعالى عنه ، والدخن الخوارج ونحوهم ، والشر بعده زمان الذين يلعنونه على المنابر . قوله : " دعاة " بضم الدال جمع داع " على أبواب جهنم " قال ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم . قوله : " من جلدتنا " أي من قومنا ، ومن أهل لسانا وملتنا .

وفيه إشارة إلى أنهم من العرب ، وقال الداودي : أي من بني آدم ، وقال القاضي : معناه أنهم في الظاهر على ملتنا ، وفي الباطن مخالفون ، وجلدة الشيء ظاهره ، وهي في الأصل غشاء البدن . قوله : " وإمامهم " بكسر الهمزة أي أميرهم ، وفي رواية الأسود " تسمع وتطيع ، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " . قوله : " وأن تعض " بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة من عضض يعضض من باب علم يعلم ، أي ولو كان الاعتزال من تلك الفرق بالعض فلا تعدل عنه ، ولفظ : " تعض " منصوب عند الرواة كلهم ، وجوز بعضهم ج٢٤ / ص١٩٥الرفع ، ولا يجوز ذلك إلا إذا جعل أن مخففة من المثقلة ، وقال البيضاوي : المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان .

وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة ، كقولهم : فلان يعض الحجارة من شدة الألم ، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر : " عضوا عليها بالنواجذ " . قوله : " وأنت على ذلك " أي على العض الذي هو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وإطاعة سلاطينهم ، ولو جاروا . وفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على أئمة الحق ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بذلك ، ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم .

واختلفوا في صفة الأمر بذلك ، فقال بعضهم : هو أمر إيجاب بلزوم الجماعة ، وهي السواد الأعظم . واحتجوا برواية ابن ماجه من حديث أنس مرفوعا : " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة " وقال آخرون : الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هي جماعة العلماء ؛ لأن الله عز وجل جعلهم حجة على خلقه ، وإليهم تفزع العامة في دينها ، وهم تبع لها ، وهم المعنيون بقوله : " إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة " وقال آخرون : هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين ، وقال آخرون : إنها جماعة أهل الإسلام ما داموا مجتمعين على أمر واجب على أهل الملل ، فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا مجتمعين . وقال الإمام أبو محمد الحسن بن أحمد بن إسحاق التستري في كتابه افتراق الأمة : أهل السنة والجماعة فرقة ، والخوارج خمس عشرة فرقة ، والشيعة ثلاث وثلاثون ، والمعتزلة ستة ، والمرجئة اثنا عشر ، والمشبهة ثلاثة ، والجهمية فرقة واحدة ، والضرارية واحدة ، والكلابية واحدة .

وأصول الفرق عشرة : أهل السنة ، والخوارج ، والشيعة ، والجهمية ، والضرارية ، والمرجئة ، والنجارية ، والكلابية ، والمعتزلة ، والمشبهة . وذكر أبو القاسم الفوراني في كتابه فرق الفرق : إن غير الإسلاميين الدهرية ، والهيولي أصحاب العناصر الثنوية ، والديصانية ، والمانوية ، والطبائعية ، والفلكية ، والقرامطة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث