باب الفتنة التي تموج كموج البحر
ج٢٤ / ص٢٠١( باب الفتنة التي تموج كموج البحر ) وقال ابن عيينة : عن خلف بن حوشب : كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن : قال امرؤ القيس :
قوله : " عند الفتن " أي عند نـزولها . قوله : " قال امرؤ القيس " كذا وقع عند أبي ذر في نسخته ، والمحفوظ أن هذه الأبيات لعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، وقد جزم به المبرد في الكامل . وتعليق سفيان هذا وصله البخاري في التاريخ الصغير ، عن عبد الله بن محمد المسندي ، حدثنا سفيان بن عيينة .
قوله : " فتية " بفتح الفاء وكسر التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف : أي شابة ، ويجوز فيه ضم الفاء بالتصغير . ويجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه خبر ، وذلك أن الحرب مبتدأ ، وأول ما تكون بدل منه ، وما مصدرية ، وتكون تامة ، تقديره : أول كونها ، وفتية خبر المبتدأ . وقال الكرماني : وجاز في أول وفتية أربعة أوجه : نصبهما ، ورفعهما ، ونصب الأول ورفع الثاني ، والعكس .
وكان إما ناقصة ، وإما تامة ، ثم سكت ، ولم يبين وجه ذلك . قلت : وجه نصبهما أن يكون الأول منصوبا على الظرف ، وفتية مرفوعا على الخبرية ، وتكون ناقصة ، والتقدير : الحرب في أول حالها فتية ، ووجه العكس أن يكون الأول مبتدأ ثانيا ، أو بدلا من الحرب ، ويكون تامة ، وقد خبط بعضهم في هذا المكان يعرفه من يقف عليه . قوله : " بزينتها " بكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وبالنون .
ورواه سيبويه : ببزتها بالباء الموحدة والزاي المشددة ، والبزة اللباس الجيد . قوله : " حتى إذا اشتعلت " بشين معجمة وعين مهملة ، يقال : اشتعلت النار إذا ارتفع لهيبها ، و " إذا " يجوز أن يكون ظرفية ، ويجوز أن يكون شرطية ، وجوابها قوله : " ولت " . قوله : " وشب " بالشين المعجمة والباء الموحدة المشددة ، يقال : شبت الحرب إذا اتقدت .
قوله : " ضرامها " بكسر الضاد المعجمة ، وهو ما اشتعل من الحطب . قوله : " غير ذات حليل " بفتح الحاء المهملة وكسر اللام ، وهو الزوج ، ويروى بالخاء المعجمة ، وهو ظاهر . قوله : " شمطاء " من شمط - بالشين المعجمة - اختلاط الشعر الأبيض بالشعر الأسود .
ويجوز في إعرابه النصب على أن يكون صفة لعجوز ، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي شمطاء . قوله : " ينكر " على صيغة المجهول ، ولونها مرفوع به ، أي بدل حسنها بقبح ، ووقع في رواية الحميدي والسهيلي في الروض : شمطاء جزت رأسها . قوله : " مكروهة " نصب على الحال من الضمير الذي في تغيرت ، والمراد بالتمثيل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة ؛ فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك ، فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولا .
44 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا شقيق ، سمعت ج٢٤ / ص٢٠٢حذيفة يقول : بينا نحن جلوس عند عمر ؛ إذ قال : أيكم يحفظ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قال : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : ليس عن هذا أسألك ، ولكن التي تموج كموج البحر ، قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا ، قال عمر : أيكسر الباب أم يفتح ؟ قال : بل يكسر ، قال عمر : إذا لا يغلق أبدا ؟ قلت : أجل ، قلنا لحذيفة : أكان عمر يعلم الباب ؟ قال : نعم ، كما أعلم أن دون غد ليلة ؛ وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأله : من الباب ، فأمرنا مسروقا ، فسأله ، فقال : من الباب ؟ قال : عمر . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن حذيفة بن اليمان .
والحديث مضى في الصلاة في باب المواقيت مطولا ، وفي الزكاة عن قتيبة ، عن جرير ، وفي الصوم ، عن علي بن عبد الله . ومضى الكلام فيه . قوله : " ليس عليك " وفي رواية الكشميهني : عليكم بالجمع .
قوله : " بينك وبينها بابا مغلقا " قيل : قال هذا ، ثم قال آخر : أهو الباب ؟ وأجيب بأن المراد بين زمانك وحياتك وبينها ، أو الباب بدل عمر ، وهو بين الفتنة وبين نفسه . قوله : " أيكسر الباب أم يفتح " قال ابن بطال : أشار بالكسر إلى قتل عمر ، وبالفتح إلى موته ، وقال عمر : إذا كان بالقتل فلا تسكن الفتنة أبدا . قوله : " كما أعلم أن دون غد ليلة " أي علما ضروريا .
قوله : " بالأغاليط " جمع الأغلوطة ، وهي الكلام الذي يغالط به ويغالط فيه . قوله : " فأمرنا " أي قلنا أو طلبنا . وفيه أن الأمر لا يشترط فيه العلو ، والاستعلاء .