باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي إن ابني هذا لسيد
( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن علي : إن ابني هذا لسيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ) 53 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثنا إسرائيل أبو موسى ، ولقيته بالكوفة وجاء إلى ابن شبرمة ، فقال : أدخلني على عيسى ، فأعظه ، فكأن ابن شبرمة خاف عليه ، فلم يفعل .
قال : حدثنا الحسن قال : لما سار الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية بالكتائب ، قال عمرو بن العاص لمعاوية : أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها ، قال معاوية : من لذراري المسلمين ؟ فقال : أنا ، فقال : عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة : نلقاه فنقول له : الصلح . قال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة قال : بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب جاء الحسن ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين . مطابقته للترجمة ظاهرة .
وعلي بن عبد الله بن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وإسرائيل هو ابن موسى ، وكنيته أبو موسى ، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه ، وهو بصري كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة . قوله : " ولقيته بالكوفة " قائل هذا سفيان ، والجملة حالية . قوله : " وجاء ابن شبرمة " هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور ، ومات في زمنه سنة أربع وأربعين ومائة ، وكان صارما عفيفا ثقة فقيها .
قوله : " فقال : أدخلني على عيسى فأعظه " عيسى هو ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، ابن أخي المنصور ، وكان أميرا على الكوفة إذ ذاك ، و " أعظه " بفتح الهمزة وكسر العين المهملة وفتح الظاء المعجمة : من الوعظ . قوله : " فكأن " بالتشديد أي فكأن ابن شبرمة خاف عليه أي على إسرائيل ، فلم يفعل أي فلم يدخله على عيسى بن موسى ، ولعل سبب خوفه عليه أنه كان ناطقا بالحق فخشي أن لا يتلطف بعيسى فيبطش به ؛ لما عنده من عزة الشباب وعزة الملك . وفيه دلالة على أن من خاف على نفسه سقط عند الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .
قوله : " بالكتائب " جمع كتيبة على وزن عظيمة ، وهي طائفة من الجيش تجمع ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ؛ لأن أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه . قوله : " لا تولي " بالتشديد أي لا تدبر أخراها أي الكتيبة التي لخصومهم . قوله : " قال معاوية : من لذراري المسلمين " أي من يتكفل لهم حينئذ ، والذراري - بالتشديد والتخفيف - جمع ذرية .
قوله : " فقال عبد الله بن عامر " ابن كريز - مصغر الكرز بالراء والزاي - العبشمي " وعبد الرحمن بن سمرة : نلقاه أي نجتمع به ونقول له " نحن نطلب " الصلح " وهذا ظاهره أنهما بدآ بذلك ، والذي تقدم في كتاب الصلح أن معاوية هو الذي بعثهما ، فيمكن الجمع بأنهما عرضا أنفسهما فوافقهما ، وآخر الأمر وقع ج٢٤ / ص٢٠٨الصلح ، فقيل : في سنة أربعين . وقيل : في سنة إحدى وأربعين ، والأصح أنه تم في هذه السنة ، ولهذا كان يقال له : عام الجماعة ؛ لاجتماع الكلمة فيه على معاوية . قوله : " قال الحسن " أي البصري ، وهو موصول بالسند المتقدم .
قوله : " ولقد سمعت أبا بكرة " هو نفيع بن الحارث الثقفي . وفيه تصريح بسماع الحسن عن أبي بكرة . قوله : " ابني هذا " أطلق الابن على ابن البنت .
قوله : " ولعل الله " استعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء ، والأشهر في خبر لعل بغير أن ، كقوله تعالى : لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . قوله : " فئتين " زاد عبد الله بن محمد في روايته " عظيمتين " وحديث الحسن هذا قد مضى في كتاب الصلح بأتم منه . وفيه من الفوائد علم من أعلام النبوة ، ومنقبة للحسن بن علي ؛ لأنه ترك الخلافة لا لعلة ولا لذلة ولا لقلة ، بل لحقن دماء المسلمين .
وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل ؛ لأن الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة ، وهما بدريان ، قاله ابن التين . وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين ، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه ؛ بأن يكون المنـزول له أولى من النازل ، وأن يكون المبذول من مال الباذل .