( باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه ) أي هذا باب مترجم بقوله الحاكم إلى آخره ، فقوله : الحاكم مرفوع على الابتداء ، وقوله : يحكم بالقتل خبره ، وليس لفظ الباب مضافا إلى الحاكم . واختلف العلماء في هذا الباب ، فقال ابن القاسم في المجموعة : لا يقيم الحدود في القتل ولاة المياه ؛ ليجلب إلى الأمصار ولا يقام القتل بمصر كلها إلا بالفسطاط أو يكتب إلى والي الفسطاط بذلك ، وقال أشهب : من ولاه الأمير وجعله واليا على بعض المياه وجعل ذلك إليه فليقم الحد في القتل والقطع وغير ذلك ، وإن لم يجعله إليه فلا يقيمه ، وذكر الطحاوي عن أصحابنا الكوفيين قال : لا يقيم الحدود إلا أمراء الأمصار وحكامها ، ولا يقيمها عامل السواد ونحوه ، وقال الشافعي : إذا كان الوالي عدلا يضع الصدقة مواضعها فله عقوبة من غل الصدقة ، وإن لم يكن عدلا فله أن يعزره . 19 - حدثنا محمد بن خالد الذهلي ، حدثنا الأنصاري محمد ، حدثنا أبي ، عن ثمامة ، عن أنس أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنـزلة صاحب الشرط من الأمير . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ؛ لأن قيس بن سعد لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في تعديته وينفذ في أموره ، ويدخل في الترجمة ، وإن كان لا يخلي عن النظر . ومحمد بن خالد هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي ، وقد ذكرنا غير مرة ، عن الكلاباذي وغيره ، أخرج عن محمد هذا فلم يصرح به ، فتارة يقول : حدثنا محمد ، وتارة : محمد بن عبد الله ، فينسبه إلى جده ، وتارة محمد بن خالد ، فينسبه إلى جد أبيه ، وقد ذكر السبب فيه . والأنصاري هو محمد بن عبد الله الأنصاري ، ووقع هكذا في رواية الأكثرين . ووقع في رواية أبي زيد المروزي : حدثنا الأنصاري محمد ، فقدم النسبة على الاسم ، ولم يسم أباه ، وأبوه عبد الله بن المثنى ، عن عبد الله بن أنس وثمامة - بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم - هو عم أبيه ، وهو ابن عبد الله بن أنس بن مالك ، وقد أخرج البخاري عن الأنصاري بلا واسطة عدة أحاديث في الزكاة والقصاص وغيرهما ، وروى عنه بواسطة في عدة مواضع ، في الاستسقاء وفي بدء الخلق وفي شهود الملائكة بدرا وغيرها . قوله : " أن قيس بن سعد " زاد في رواية المروزي : ابن عبادة ، وهو الأنصاري الخزرجي الذي كان والده رئيس الخزرج . قوله : " كان يكون بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم – " وقال الكرماني : فائدة تكرار الكون بيان الاستمرار والدوام ، وقال بعضهم : بعد أن نقل هذا الكلام عن الكرماني : قد وقع في رواية الترمذي وابن حبان والإسماعيلي وأبي نعيم وغيرهم من طرق ، عن الأنصاري بلفظ : " كان قيس بن سعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم – " قال : فظهر أن ذلك من تصرف الرواة ، انتهى . قلت : غرضه الغمز على الكرماني ؛ لأن ما قاله الكرماني أولى وأحسن من نسبة هذا إلى تصرف الرواة ، وليس للرواة إلا نقل ما حفظوه من الأحاديث ، وليس لهم أن يتصرفوا فيها من عند أنفسهم . وفي رواية الترمذي ومن ذكر معه بلفظ : " كان قيس بن سعد " لا يستلزم نفي رواية : كان يكون ، وكل منهم لا يروي إلا ما حفظه . قوله : " صاحب الشرط " بضم الشين المعجمة وفتح الراء جمع شرطة ، وهم أول الجيش سموا بذلك ؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات ، والأشراط الأعلام ، وصاحب الشرط معناه العلامات يعرف بها ، الواحد شرطة ، والنسبة إليها شرطي بضمتين ، وقد تفتح الراء . وقيل : المراد بصاحب الشرطة كبيرهم ، وقال الأزهري : شرطة كل شيء خياره ، ومنه الشرطة ؛ لأنهم نخبة الجند . وقيل : سموا بذلك ؛ لأنهم أعدوا أنفسهم لذلك ، يقال : أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدها ، قاله أبو عبيدة . وقيل : مأخوذ من الشريط ، وهو الحبل المبرم لما فيهم من الشدة . وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده ؛ لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال ، وإنما حدث في دولة بني أمية ، فأراد أنس بن مالك تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين ، فشبهه بما يعهدونه .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/403472
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة