باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان
( باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان ) 22 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا عبد الملك بن عمير ، سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة قال : كتب أبو بكرة إلى ابنه - وكان بسجستان - بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان ؛ فإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان . مطابقته للترجمة ظاهرة .
ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث الثقفي . والحديث أخرجه مسلم في الأحكام أيضا ، عن قتيبة وغيره . وأخرجه ابن ماجه في الأحكام ، عن هشام بن عمار وغيره .
قوله : " كتب أبو بكرة إلى ابنه " وفي رواية الترمذي ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال : كتب أبي إلى عبيد الله بن أبي بكرة ، وهذا يفسر رواية البخاري ج٢٤ / ص٢٣٤المبهمة ، وكذا وقع في أطراف المزي إلى ابنه عبيد الله ، ووقع في رواية مسلم ، عن عبد الرحمن قال : كتب أبي ، وكتبت إلى عبيد الله بن أبي بكرة . قيل : معناه كتب أبو بكرة بنفسه مرة ، وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه ، فكتب له مرة أخرى ، انتهى . وقال بعضهم : ولا يتعين ذلك ، بل الذي يظهر أن قوله : " كتب أبي " أي أمر بالكتابة ، وقوله : " وكتبت له " أي باشرت الكتابة التي أمر بها ، والأصل عدم التعدد انتهى .
قلت : الأصل عدم التعدد ، والأصل عدم ارتكاب المجاز ، والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلة ، وما المانع من التعدد ؟ قوله : " وكان بسجستان " وفي رواية مسلم : وهو قاضي بسجستان ، وهي جملة حالية ، وهي في الأصل اسم إقليم من الأقاليم العراقية ، وهو إقليم عظيم واسم قصبته زرنج بفتح الزاي والراء وسكون النون وبالجيم ، وهي مدينة كبيرة من سجستان ، وقال ابن حوقل : وقد يطلق على زرنج نفسها سجستان . قلت : اسم سجستان أنسي هذا اليوم ، وأطلق اسم الإقليم على المدينة ، وهي بين خراسان ومكران والسند وبين كرمان ، بينهما وبين كرمان مائة فرسخ ، منها أربعون فرسخا مفازة ليس فيها ماء ، والنسبة إليها سجستاني ، وسجزي - بزاي بدل السين الثانية والتاء - وهو على غير قياس . قوله : " غضبان " الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا : ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ؟ .
قوله : " حكم " بفتحتين هو الحاكم ، وقال المهلب : سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز إلى غير الحق ، فمنع ، وبذلك قال فقهاء الأمصار . وقال الغزالي : فهم من هذا الحديث أنه لا يقضي حاقنا أو جائعا أو متألما بمرض . وقال الرافعي : وكذلك لا يقضي بكل حال يسوء خلقه فيها ويتغير عقله فيها بجوع وشبع مفرط ومرض مؤلم وخوف مزعج وحزن وفرح شديدين وكغلبة نعاس وملال ، وكذا لو حضره طعام ونفسه تتوق إليه .
قال : والمقصود أن يتمكن من استيفاء الفكر والنظر . فإن قلت : هل هذا النهي نهي تحريم أو كراهة ؟ قلت : نهي تحريم عند أهل الظاهر ، وحمله العلماء على الكراهة حتى لو حكم في حال غضبه بالحق نفذ حكمه ، وهو مذهب الجمهور . فإن قلت : قد صح عنه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قد حكم في حالة غضبه ، كحكمه للزبير في شراج الحرة حين قال له الأنصاري : أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وقال : اسق يا زبير ، الحديث .
وفي الصحيح أيضا في قصة عبد الله بن عمر حين طلق امرأته وهي حائض ، فذكره عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فتغيظ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - . قلت : أجابوا عنه بأجوبة ، أحسنها أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان معصوما فلا يتطرق إليه احتمال ما يخشى من غيره في الحكم وغيره .