باب رزق الحكام والعاملين عليها
( باب رزق الحكام والعاملين عليها ) أي هذا باب فيه بيان رزق الحكام - بضم الحاء وتشديد الكاف - جمع حاكم ، والعاملين جمع عامل ، وهو الذي يتولى أمرا من أعمال المسلمين كالولاة وجباة الفيء وعمال الصدقات ونحوهم . وفي بعض النسخ باب رزق الحاكم ، وفي بعضها باب رزق القاضي . والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين .
قوله : " عليها " قال بعضهم : أي على الحكومات . قلت : الصواب أن يقال : على الصدقات بقرينة ذكر الرزق والعاملين . وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا .
شريح هو ابن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة ، ولاه عمر رضي الله تعالى عنه ، ثم قضى من بعده بالكوفة دهرا طويلا ، ثقة ، مخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام ، ويقال : إن له صحبة ، مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة . قوله : " أجرا " أي أجرة ، وفي التلويح : هذا التعليق ضعيف ، وهو يرد على من قال : التعليق المجزوم به عند البخاري صحيح . قلت : رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق مجالد ، عن الشعبي بلفظ : " كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا ، وكان شريح يأخذ " ، وروى ابن أبي شيبة ، عن الفضل بن دكين ، عن الحسن بن صالح ، عن ابن أبي ليلى قال : بلغنا - أو قال : بلغني - أن عليا رضي الله تعالى عنه رزق شريحا خمسمائة .
قلت : هذا يؤيد قول من قال : التعليق المذكور ضعيف ؛ لأن القاضي إذا كان له شيء من بيت المال ليس له أن يأخذ شيئا من الأجرة ، وقال الطبري : ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم ؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه ، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ، ولم يحرموه مع ذلك ، وقال أبو علي الكرابيسي : لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم ، وهو قول فقهاء الأمصار ، ولا أعلم بينهم اختلافا ، وقد كره ذلك قوم ، منهم مسروق ، ولا أعلم أحدا منهم حرمه . وقال صاحب الهداية : ثم إن القاضي إذا كان فقيرا فالأفضل - بل الواجب - أخذ كفايته ، وإن كان غنيا فالأفضل الامتناع عن أخذ الرزق من بيت المال رفقا ببيت المال . وقيل : الأخذ هو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان ، ونظرا لمن يولى بعده من المحتاجين ويأخذ بقدر الكفاية له ولعياله .
وقالت عائشة : يأكل الوصي بقدر عمالته . العمالة - بضم العين وتخفيف الميم . وقيل : هو من المثلثات ، وهي أجرة العمل .
ووصل ابن أبي شيبة هذا التعليق من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قالت : أنـزل ذلك في ولي مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه إن كان محتاجا يأكل منه . ج٢٤ / ص٢٤٣وأكل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . أكلهما كان في أيام خلافتهما لاشتغالهما بأمور المسلمين ، ولهما من ذلك حق ، وأثر أبي بكر رضي الله تعالى عنه وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة قالت : لما استخلف أبو بكر قال : قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي ، وقد شغلت بأمر المسلمين .
وفيه : فيأكل آل أبي بكر من هذا المال . وأثر عمر وصله ابن أبي شيبة أيضا وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها باء موحدة - قال : قال عمر : إني أنـزلت نفسي من مال الله منـزلة قيم اليتيم ؛ إن استغنيت عنه تركت ، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف . 27 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نمر أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر في خلافته ، فقال له عمر : ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا ، فإذا أعطيت العمالة كرهتها ؟ فقلت : بلى ، فقال عمر : ما تريد إلى ذلك ؟ قلت : إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير ، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين ، قال عمر : لا تفعل ؛ فإني كنت أردت الذي أردت ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء ، فأقول : أعطه أفقر إليه مني ، حتى أعطاني مرة مالا ، فقلت : أعطه أفقر إليه مني ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خذه ، فتموله ، وتصدق به ، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وإلا فلا تتبعه نفسك .
وعن الزهري قال : حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : سمعت عمر يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء ، فأقول : أعطه أفقر إليه مني ، حتى أعطاني مرة مالا ، فقلت : أعطه من هو أفقر إليه مني ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خذه ، فتموله ، وتصدق به ، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع .
وشعيب بن أبي حمزة . والزهري محمد بن مسلم . والسائب بن يزيد - من الزيادة - ابن أخت نمر - بفتح النون وكسر الميم بعدها راء - هو الصحابي المشهور ، وأدرك من زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ست سنين ، وحفظ عنه ، وهو من أواخر الصحابة موتا ، وآخر من مات منهم بالمدينة .
وقال أبو عمر : قيل : إنه توفي سنة ثمانين . وقيل : ست وثمانين . وقيل : سنة إحدى وتسعين ، وهو ابن أربع وتسعين .
وقيل : ست وتسعين . وحويطب - تصغير الحاطب بالمهملتين - ابن عبد العزى - اسم الصنم المشهور - العامري ، من الطلقاء ، كان من مسلمة الفتح ، وهو أحد المؤلفة قلوبهم ، أدرك الإسلام وهو ابن ستين سنة أو نحوها ، وأعطي من غنائم بدر مائة بعير ، وكان ممن دفن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وباع من معاوية دارا بالمدينة بأربعين ألف دينار ، مات بالمدينة في آخر خلافة معاوية ، وهو ابن مائة وعشرين سنة . وعبد الله بن السعدي هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود ، وإنما قيل له : ابن السعدي ؛ لأن أباه كان مسترضعا في بني سعد ، مات بالمدينة سنة سبع وخمسين ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد .
وهذا الإسناد من الغرائب ، اجتمع فيه أربعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه مسلم في الزكاة عن أبي الطاهر بن السرح وغيره . وأخرجه أبو داود فيه وفي الجراح ، عن أبي الوليد الطيالسي ، عن ليث به .
وأخرجه النسائي في الزكاة ، عن قتيبة به وغيره . قوله : " ألم أحدث " بضم الهمزة وفتح الحاء وتشديد الدال . قوله : " تلي من أعمال الناس " أي الولايات من إمرة أو قضاء أو نحوهما ، ووقع في رواية بشر بن سعيد عند مسلم : استعملني عمر رضي الله تعالى عنه على الصدقة ، فعين الولاية .
قوله : " فإذا ج٢٤ / ص٢٤٤أعطيت " على صيغة المجهول . قوله : " العمالة " بالضم أجرة العمل ، وبالفتح نفس العمل . قوله : " ما تريد إلى ذلك " يعني : ما غاية قصدك بهذا الرد .
قوله : " أفراسا " جمع فرس . قوله : " وأعبدا " جمع عبد ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : " أعتدا " بضم التاء المثناة من فوق جمع عتيد ، وهو المال المدخر . قوله : " الذي أردت " بفتح التاء .
قوله : " يعطيني العطاء " أي المال الذي يقسمه الإمام في المصالح . قوله : " أعطه أفقر إليه مني " أي أعط بهمزة القطع الذي هو أفقر إليه مني ، وفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة من ؛ لأنه إنما لم يجز عند النحاة إذا كان أجنبيا ، وهنا هو ألصق به من الصلة ؛ لأن ذلك محتاج إليه بحسب جوهر اللفظ ، والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة . قوله : " غير مشرف " أي غير طامع ولا ناظر إليه .
قوله : " وإلا " أي وإن لم يجئ إليك فلا تتبعه نفسك في طلبه ، واتركه . قيل : لم منعه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من الإيثار ؟ أجيب بأنه أراد الأفضل والأعلى من الأجر ؛ لأن عمر وإن كان مأجورا بإيثاره الأحوج ، لكن أخذه ومباشرته الصدقة بنفسه أعظم ، وذلك لأن التصدق بعد التمول إنما هو دفع الشح الذي هو مستول على النفوس . قوله : " وعن الزهري ، حدثني سالم " هو موصول بالسند المذكور أولا إلى الزهري .
وقد أخرج النسائي ، عن عمرو بن منصور ، عن أبي اليمان شيخ البخاري الحديثين المذكورين بالسند المذكور إلى عمر رضي الله عنه . وفيه أخذ الرزق لمن اشتغل بشيء من مصالح المسلمين ، وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه كان يأخذ الأجر على القضاء . وروي ذلك عن ابن سيرين وشريح ، وهو قول الليث وإسحاق وأبي عبيد ، وقال الشافعي : إذا أخذ القاضي جعلا لم يجز عندي ، وقال ابن المنذر : وحديث ابن السعدي حجة في جواز إرزاق القضاة من وجوهها .
وفيه أن أخذ ما جاء من المال بغير مسألة أفضل من تركه ؛ لأنه يقع في إضاعة المال ، وقد نهى الشرع عن ذلك . وذهب بعض الصوفية إلى أن المال إذا جاء من غير إشراف نفس ولا سؤال لا يرد ؛ فإن رد عوقب بالحرمان ، ويحكى عن أحمد أيضا وأهل الظاهر . وقال ابن التين : في هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء ، وإن كان المال طيبا .