باب بطانة الإمام وأهل مشورته
حدثنا أصبغ ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان ؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، فالمعصوم من عصم الله تعالى . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأصبغ هو ابن الفرج المصري ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك .
والحديث مضى في القدر عن عبدان ، وأخرجه النسائي في البيعة وفي السير عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب به . قوله ( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة ) ، وفي رواية صفوان بن سليم ما بعث الله من نبي ولا بعده من خليفة ، ووقع في رواية الأوزاعي ومعاوية بن سلام ما من وال وهو أعم . قوله ( بالمعروف ) ، في رواية سليمان بالخير .
قوله ( وتحضه ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة المشددة ؛ أي يرغبه فيه ويدله عليه . فإن قلت : هذا التقسيم مشكل في حق النبي صلى الله عليه وسلم - قلت : في بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من بطانة الشر بقوله والمعصوم من عصم الله ، وهو معصوم لا شك فيه ، ولا يلزم من وجود من يشير على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشر أن يقبل منه . وقيل : المراد بالبطانتين في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - الملك والشيطان ، وشيطانه قد أسلم فلا يأمره إلا بخير .
قوله ( والمعصوم من عصم الله ) ؛ أي من عصمه الله ، وكذا في بعض الرواية . وقال الكرماني : أي لكل نبي وخليفة جلساء صالحة وجلساء طالحة ، والمعصوم من عصمه الله من الطالحة ، أو لكل منهما نفس أمارة بالسوء ونفس لوامة والمعصوم من أعطاه الله نفسا مطمئنة ، أو لكل قوة ملكية وقوة حيوانية والمعصوم من رجح الله له جانب الملكية . قال المهلب : غرضه إثبات الأمور لله تعالى ، فهو الذي يعصم من نزغات الشياطين ، والمعصوم من عصمه الله لا من عصم نفسه .
وقال سليمان عن يحيى : أخبرني ابن شهاب بهذا . سليمان هو ابن بلال ، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري . قوله ( بهذا ) ؛ أي بالحديث المذكور ، ووصله الإسماعيلي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال : قال يحيى بن سعيد : أخبرني ابن شهاب - فذكره .
وعن ابن أبي عتيق وموسى عن ابن شهاب - مثله . هذا عطف على يحيى بن سعيد ، وابن أبي عتيق هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وموسى هو ابن عقبة . ووصله البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة به .
قوله ( مثله ) ؛ أي مثل الحديث المذكور ، وقال الكرماني : والفرق بينهما - أي بين قوله بهذا وبين قوله مثله - أن المروي في الطريق الأول هو الحديث المذكور بعينه ، وفي الثاني هو مثله . وقال بعضهم : ولا يظهر بين هذين فرق . قلت : كيف ينفي الفرق ومثل الشيء غير عينه ؟ وقال شعيب عن الزهري : حدثني أبو سلمة عن أبي سعيد - قوله .
شعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي ، يعني روى شعيب عن محمد بن مسلم الزهري قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قوله ، يعني لم يرفعه بل جعله من كلام أبي سعيد ، وانتصاب قوله بنزع الخافض ؛ أي من قوله . قيل : هذه الرواية الموقوفة وصلها الذهلي في الزهريات . وقال الأوزاعي ومعاوية بن سلام : حدثني الزهري ، حدثني أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو ، ومعاوية بن سلام - بتشديد اللام - الدمشقي . أشار بهذا إلى أن الأوزاعي ومعاوية خالفا من تقدم فجعلا الحديث عن أبي هريرة بدل أبي سعيد ، وخالفا شعيبا أيضا ؛ فإن شعيبا وقفه وهما رفعاه ، فرواية الأوزاعي وصلها أحمد من رواية الوليد بن مسلم عنه ، ورواية معاوية بن سلام وصلها النسائي من رواية معمر - بالتشديد - بن يعمر - بفتح الباء وسكون العين المهملة - حدثنا معاوية بن سلام حدثنا الزهري حدثني أبو سلمة أن أبا هريرة قال - فذكره . وقال ابن أبي حسين وسعيد بن أبي زياد عن أبي سلمة عن أبي سعيد - قوله .
ابن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي المكي ، وسعيد بن أبي زياد الأنصاري المدني من صغار التابعين روى عن جابر ، وحديثه عنه عند أبي داود والنسائي ، وما له راو إلا سعيد بن أبي هلال ، وقد قال فيه أبو حاتم الرازي : مجهول . وما له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع . وقال عبيد الله بن أبي جعفر : حدثني صفوان ، عن أبي سلمة ، عن أبي أيوب قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم .
عبيد الله بن أبي جعفر اسمه يسار - ضد اليمين - المصري من التابعين الصغار ، وصفوان هو ابن سليم - بالضم - مولى آل عوف ، وأبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد . ووصل هذا الطريق النسائي من طريق الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان عن أبي سلمة عن أبي أيوب ، قال الكرماني : والحديث مرفوع من ثلاثة أنفس من الصحابة . قلت : هم أبو سعيد ، وأبو هريرة ، وأبو أيوب .